الصفر كائن بلا قوام
بالرغم من حضوره في الحياة اليومية منذ عدة قرون بأشكال مختلفة، إلا أن اختراعه لم يكن بالسهولة التي نتعامل فيها معه اليوم. فهناك ثقافات لم تعرفه أصلاً، وهناك ثقافات قاومت دخوله إليها في واعتبرته أمراً بالغ التعقيد كما كان الأمر في أوروبا القرن الثالث عشر. ولكنه يشغل مكانة الصدارة في الحضارة السائدة اليوم. وهو في الحقيقة كائن غريب. ذلك أنه يعني في إحدى صوره أنه لا شيء، ولكن مجرد الحديث عنه يعني أنه شيء. فعند قولنا إن ما نملك الآن من النقود هو الصفر، فهذا يعني أن جيوبنا فارغة وأننا أنفقنا ما كان فيها من نقود ولم يبق منها شيء. نشير إليه أحياناً ببسط اليد للدلالة على اليد الخاوية. ونجمعه بالقول "أصفاراً"، وهذا ليس بالجمع الرياضي، ذلك أنه دون الأرقام والأعداد كلها، فجمع الكثير منه يساويه نفسه، وجمعه مع غيره لا يزيد ولا ينقص في الأمر شيئاً على غير باقي الأرقام والأعداد إلى غير ذلك من خواص سنأتي على ذكرها لاحقاً. ونقول ساعة الصفر، ونتحدث عن درجة حرارة الصفر، الصفر المئوي والصفر المطلق. وهو دلالة الخيبة والفشل كمن عاد صِفر اليدين، أو نال درجة الصفر في اختبار أو امتحان. وهو عل...