بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 24 يناير 2026

موجز مكثف لكتاب هنري لورانس " المسألة الفلسطينية"



يتناول هنري لورانس المسألة الفلسطينية بوصفها ظاهرة تاريخية–سياسية مركّبة تشكّلت في سياق التحوّلات البنيوية للنظام الدولي الحديث، ولا يمكن فهمها باعتبارها نزاعاً محلياً أو إقليمياً معزولاً عن السياق العالمي. فمنذ أواخر القرن الثامن عشر، دخلت فلسطين المجال السياسي الأوروبي عبر تمثّلات دينية واستشراقية واستراتيجية سبقت نشوء الصراع العربي–الصهيوني ذاته، وأسهمت في إعادة تعريف الإقليم بوصفه «أرضاً مقدسة» وموضوعاً للتدخل الدولي، أكثر منه فضاءً اجتماعياً وسياسياً قائماً بذاته.

يرى لورانس أن تشكّل الصهيونية الحديثة جاء في تفاعل وثيق مع ما عُرف في أوروبا بـ«المسألة اليهودية»، ضمن بيئة فكرية وسياسية إمبريالية سعت إلى إيجاد حلول خارجية لمعضلات داخلية. وفي هذا الإطار، أصبحت فلسطين نقطة تقاطع بين مشروع قومي استيطاني ناشئ ومصالح القوى الأوروبية الكبرى، ما أدى إلى إدماج المجتمع المحلي الفلسطيني إدماجاً غير متكافئ في ترتيبات دولية لم يكن طرفاً فاعلاً في صياغتها.

ويؤكد لورانس على الدور الحاسم الذي أدّاه النظام الدولي، منذ مرحلة الانتداب البريطاني وصولاً إلى النظام الدولي المعاصر، في إنتاج ديناميات الصراع وإدارته. فقد جرى التعامل مع الفلسطينيين، في معظم المراحل، بوصفهم موضوعاً للسياسات الدولية لا فاعلاً سياسياً كامل الحقوق. وفي المقابل، ارتبط قيام دولة إسرائيل وتثبيت وجودها بشبكة معقّدة من أشكال الدعم الدولي السياسية والعسكرية والقانونية، من دون اختزال هذا الارتباط إلى علاقة تبعية مباشرة أو ميكانيكية للقوى الغربية.

كما يحلّل لورانس التحوّل التدريجي للمسألة الفلسطينية من قضية حقوق تاريخية وتحرر وطني إلى ملف أمني–إداري، ولا سيما منذ تسعينيات القرن العشرين. فقد أفضت مسارات التسوية، وبخاصة اتفاقيات أوسلو، إلى إعادة تنظيم الصراع بدلاً من حله، عبر تكريس اختلال بنيوي في موازين القوة سمح باستمرار التوسع الاستيطاني وإعادة إنتاج الوقائع الميدانية، على حساب أي أفق سيادي فعلي للفلسطينيين.

ويُفهم من مجمل تحليل لورانس أن استمرار المسألة الفلسطينية يعكس تناقضاً بنيوياً في الخطاب والممارسة داخل النظام الدولي الحديث، لا سيما في ما يتعلق بتطبيق مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان. ومن هذا المنظور، فإن غياب حل عادل ومستدام لا يعود إلى عوامل محلية فحسب، بل يرتبط بطبيعة النظام الدولي ذاته، وبعجزه البنيوي عن فرض تسويات قائمة على المساواة القانونية والسياسية بين الأطراف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق