الانتحال والمقالات الوهمية
يزداد عدد المقالات العلمية المنشورة على نحوٍ ملحوظ، غير أن هذه الزيادة لا ترتبط بالضرورة بنتائج علمية جديدة تستحق النشر. فبعض هذه المقالات يقوم على تجميع مواد من هنا وهناك دون الإشارة إلى مصادرها الأصلية، وهو ما يُعرف بالانتحال. وبعضها الآخر يعتمد على بيانات مزوّرة أو نتائج غير حقيقية، فتكون الاستنتاجات التي يقدّمها باطلة من أساسها. وهناك نوع ثالث يستوفي جميع الشروط الشكلية للمقال العلمي، لكنه في حقيقته ليس سوى نص فاسد مُنمّق، يوحي بالمتانة والمصداقية، بينما هو في جوهره زائف تماماً.
ويعود هذا الوضع إلى جملة من العوامل. أولها غياب الرادع الذاتي لدى بعض المؤلفين، إذ إن أخلاقيات البحث العلمي تمنع منعاً قاطعاً مثل هذه الممارسات. وثانيها ضعف الرقابة، فالمجلات العلمية المحكمة لا تبدو دائماً قادرة على إجراء تمحيص كافٍ، وهو أمر يمكن تفهّمه جزئياً، غير أن نشر بعض المقالات التي تتضح هشاشتها العلمية يكشف أحياناً عن خلل بيّن في كفاءة التحكيم. أما العامل الثالث فيتمثل في النظرة التجارية لدور النشر، إذ كلما زاد عدد المنشورات ارتفع عدد المشتركين وتعاظمت الأرباح. وقد دخلت في هذه الدائرة المعيبة دور نشر مرموقة، إلى حد أن بعضها يتردد في سحب مقالات ثبت عدم استيفائها للمعايير العلمية، متجاهلاً المشكلة على أمل أن يطويها النسيان مع مرور الزمن.
ويفرض هذا الواقع على قرّاء المقالات العلمية أن يتحلّوا بأعلى درجات الحذر والتفكير النقدي، لا سيما أن أدوات الكشف المتاحة لا تزال عاجزة عن تغطية جميع الحالات.
وفي هذا السياق، يذكر الأستاذ سيريل لابي من معهد غرنوبل التكنولوجي، في حديث منشور في نشرة المعهد البوليتكنيكي الفرنسي*، أنه استخدم مع أحد زملائه برمجيات خاصة استعرضوا من خلالها نحو 130 مليون مقالة علمية، وتوصّلوا إلى النتائج الآتية:
-أكثر من 912 ألف مقالة تتضمن إحالات إلى منشورات مسحوبة، ما يستوجب إعادة النظر فيها؛
-نحو 800 مقالة تحتوي على أخطاء وقائعية محددة؛
-أكثر من 21 ألف مقالة تتضمن تعابير عديمة المعنى، يُحتمل أن تكون ناتجة عن انتحال؛
-وأكثر من 350 مقالة عبثية بالكامل، مولّدة آلياً، وبعضها متاح على الإنترنت منذ سنوات.
وتتضاعف خطورة الرقمين الأخيرين لأنهما لا يقتصران على المجلات التي تنشر مقابل المال دون تحكيم علمي حقيقي، بل يشملان أيضاً دور نشر مرموقة، ما يكشف عن اختلالات عميقة في نظام التحكيم العلمي (مراجعة الأقران)، الذي يُفترض أن يشكّل جوهر التقييم العلمي.
ويعلّق لابي على عدم سحب المقالات التي ثبت عدم صلاحيتها بأن هناك، على الأرجح، ميلاً داخل المجتمع العلمي إلى عدم الإبلاغ عن المقالات المشبوهة أو السخيفة، إما بدافع الحذر أو لغياب الاهتمام. وحتى عندما يتم الإبلاغ عنها، فإن إجراءات السحب غالباً ما تكون طويلة ومعقّدة. فلا أحد، من دور النشر إلى المؤلفين مروراً بالمحررين، يرغب في أن تتلطخ سمعته بسحب مقال، ما يولّد تردّداً ومقاومة، حتى حين تكون المشكلة واضحة تماماً.
أما عن الإجراءات الإصلاحية، فيرى أنها غالباً ما تكون وقائية أكثر منها تصحيحية. فهناك مبادرات أكاديمية وخاصة، وأحياناً داخل دور النشر نفسها، تهدف إلى تطوير أدوات لكشف الاحتيال تتكيّف مع تطوّر أساليبه. كما تعمل دور النشر على تعزيز لجان الأخلاقيات وتحسين الإشراف على مراجعة الأقران، إضافة إلى التعاون فيما بينها لرصد بعض الممارسات غير المقبولة، مثل الإرسال المزدوج للمقالات.
وفي ما يتعلق بتطوير نظام التقييم العلمي، يرى لابي أنه من المستحيل في الوقت الراهن الاستغناء كلياً عن المؤشرات الكمية، غير أنه ينبغي تقليص وزنها في التقييم الفردي والجماعي للبحث، وتثمين أشكال أخرى من الإسهام العلمي. ففي علوم الحاسوب، على سبيل المثال، يمكن تقدير إنتاج الشيفرات البرمجية أو قواعد البيانات إلى جانب المقالات.
ومع ذلك، يشكّ في أن يشهد النظام تغييراً جذرياً في المدى القريب، إذ إن المؤشرات الحالية سهلة الحساب والاستخدام، حتى بالنسبة للباحثين أنفسهم. وهنا تبرز مفارقة لافتة: فكثير من الباحثين ينتقدون الضغط المتزايد والمبالغة في تقدير المقال العلمي ضمن أنظمة التقييم، لكنهم في الوقت نفسه يلجؤون بسهولة إلى هذه المؤشرات الكمية لتبرير أهمية أعمالهم. فمن الأبسط بكثير إبلاغ المموّل بالنشر في مجلة مرموقة، بدل شرح الفوائد العلمية أو الاجتماعية بعيدة المدى للبحث.
*https://www.polytechnique-insights.com/tribunes/societe/fraude-scientifique-analyse-dune-crise-systemique/?utm_source=brevo&utm_campaign=newsletter196&utm_medium=email&utm_id=134
تعليقات
إرسال تعليق