تعليم الأخلاقيات في المعاهد العليا

 

د. نور الدين شيخ عبيد

تتناول هذه الورقة موضوع تدريس الأخلاقيات في التعليم العالي بوصفه استجابة معرفية ومؤسساتية للتحولات العميقة التي فرضها التطور العلمي والتكنولوجي وما نتج عنه من إشكاليات أخلاقية غير مسبوقة. تنطلق الورقة من تمييز ضروري بين مفهوم الأخلاق والأخلاقيات، حيث تمثل الأولى منظومة سلوكية مكتسبة اجتماعية، فيما تعني الثانية بتحليل عقلاني معياري للقيم والمبادئ وتطبيقها على القضايا الناشئة. وفي هذا الإطار تستعرض الورقة أقسام الأخلاقيات كما صاغها الفكر الفلسفي، مع تركيز على الأخلاقيات القياسية والتطبيقية وتقدم أمثلة تحليلية من ميادين متباينة مثل زراعة الأعضاء والذكاء الاصطناعي والهندسي الميكانيكي، وتستعرض في جداول مختلف الاختصاصات الجامعية وطيف المسائل الأخلاقية التي تتضمنها. كما تستعرض الورقة بإيجاز التجارب العالمية والعربية في إدماج الأخلاقيات في المناهج الجامعية، لتخلص إلى أن الهدف الرئيس من تدريسها لا يتمثل في غرس القيم أو الفضائل، بل في تنمية الحس الأخلاقي والقدرة على الاستدلال المنهجي لدى الطلاب. كما تعكس هذه الورقة بطريقة ما تجربة ذاتية لكاتبها مدعومة بأدبيات متخصصة ذات صلة.

 


 

 

 


مدخل

حملت الثورة الصناعية معها قضايا لم تعرفها البشرية سابقاً. أبرزها ظهور طبقة العمال وما ارتبط بها من مطالب وحقوق تتعلق بالعمل وظروفه بما يصون كرامة الإنسان. فظروف العمل وشروطه كانت استغلالاً فاضحاً للنساء والرجال والصغار والكبار، ما استدعى صياغة أطرٍ وتشريعات تراكمت عبر أكثر من قرن، لتضمن احترام حقوق العمال عبر الحوار والسياسة والقوانين والتشريعات، دون الحاجة إلى حلول من خارج المنظومات التشريعية.

وفي القرن التاسع عشر، برزت حاجة بعض المهن إلى ضبط الممارسات المهنية، وفي مقدمتها الطب. ومن هنا أعيد إحياء قسم أبقراط كإطار أخلاقي تاريخي لممارسة المهنة، مع تعديلات طفيفة تلائم السياق الجديد.

غير أن الحروب الكبرى طرحت تحديات أعمق. ففي الحرب العالمية الأولى استخدمت أسلحة كيميائية فتاكة لم تفرّق بين جندي ومدني أو إنسان أو حيوان، ما أدى إلى توقيع اتفاقية دولية تحظر استعمالها، لا تزال سارية حتى اليوم. وهكذا أمكن ضبط قضية خطيرة ثانية من خلال القوانين والتشريعات.

لكن الحرب العالمية الثانية جلبت تحديات أعمق. فقد أجرت النازية تجارب على البشر بلا أي اعتبار لكرامتهم. كما أطلقت القنبلة الذرية على اليابان فاتحة عصراً من المخاطر الوجودية. وما يزال العالم يعيش قلق احتمال استخدامها إلى جانب أخطار المفاعلات النووية وما تسببه من تلوث إشعاعي كما في كارثتي تشيرنوبيل وفوكوشيما. وهنا تطرح الأسئلة: كيف نواجه مثل هذه القضايا؟

ومع التقدم العلمي ظهرت مسائل حياتية مباشرة. مثل وسائل منع الحمل والإجهاض، التي أثارت جدلاً مجتمعياً بين الموروث الديني والثقافي من جهة، ومتطلبات الحياة المعاصرة والقدرة المحدودة للأرض على استيعاب سكانها من جهة أخرى. وفي مثل هذه القضايا لم يعد كافياً الاعتماد على المناهج التقليدية أو القوانين القائمة، ما استدعى البحث عن مقاربات جديدة، من أهمها الأخلاقيات كأداة ضبط للأفعال وتنظيم الممارسات.

 

الحاجة إلى الأخلاقيات

أمام هذه التحديات برزت الأخلاقيات كنهج عقلاني إنساني، يستند إلى القيم المجتمعية والفلسفة الأخلاقية، ويتيح معالجة القضايا المستجدة إما عبر قوانين جديدة أو مدونات سلوك مهنية code of conduct. ولم يعد تعليم الأخلاقيات في الجامعات خياراً ثانوياً أو ترفاً معرفياً، بل أصبح استجابة مباشرة للتحديات التي فرضها تطور العلوم والتكنولوجيا في العقود الأخيرة. فالقوانين والمعايير الاجتماعية الموروثة لم تعد كافية للإحاطة بالمسائل المستجدة، التي تتجاوز أحياناً قدرة التشريعات والمؤسسات على مواكبتها. ومن هنا برزت الحاجة إلى الأخلاقيات التطبيقية كجزء أساسي من التكوين الجامعي، لا بوصفها ثقافة عامة فحسب، بل كأداة مرافقة للاختصاص تمكن الطالب من التفكير النقدي واتخاذ القرار المسؤول في سياقات جديدة ومعقدة.

تطبيقات معاصرة

طرحت مجالات الطب والعلوم الحيوية تقنيات مثل زرع الأعضاء وتعديل الجينات والاستعانة بالأم البديلة، أسئلة عميقة حول الحياة والهوية والكرامة الإنسانية. وفي القانون، ظهرت قضايا تضارب المصالح والنزاهة، والجرائم السيبرانية وقضايا الخصوصية الرقمية. أما في الهندسة وعلوم الحاسوب، فقد أفرز الذكاء الاصطناعي والروبوتات المستقلة إشكاليات تتعلق بالمسؤولية والرقابة على آلات قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة، بل قاتلة أحياناً. وفي الصحافة والإعلام، فرض الانتشار الواسع للأخبار المضللة والمحتوى الاصطناعي إشكاليات جديدة حول الحقيقة والمصداقية وحدود حرية التعبير.

هذا التنوع في القضايا، وتداخل أبعادها العلمية والإنسانية، يبرر إدماج الأخلاقيات في التعليم الجامعي كمسار تكويني أساسي، يزوّد المتخصصين بالمهارة التقنية وبالبصيرة الأخلاقية اللازمة لممارسة مسؤولياتهم في عالم سريع التحوّل.

التجارب العالمية والعربية

استجابت الجامعات العالمية لهذا التحول بإدراج برامج متقدمة في الأخلاقيات التطبيقية. ففي الولايات المتحدة أدرجت جامعات رائدة مثل هارفارد وستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا برامج متقدمة في أخلاقيات البيولوجيا Bioethics، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات الأعمال، كمواد إلزامية في كليات الطب والهندسة وإدارة الأعمال. وفي أوروبا اهتمت جامعات مثل أكسفورد وكامبريدج بإنشاء مراكز بحثية متخصصة مثل "مركز أكسفورد للأخلاقيات التطبيقية"  (University of Oxford, 2024)الذي يجمع بين الفلسفة والطب والقانون.

أما في العالم العربي فقد شهدت بعض الجامعات مساهمات بارزة. فقد بادرت الجامعة الأمريكية في بيروت إلى إدراج مقررات في الأخلاقيات الطبية ضمن كلية الطب منذ تسعينيات القرن الماضي. كما أنشأت جامعتا القاهرة وعين شمس مقررات في أخلاقيات البحث العلمي. وفي جامعة الملك سعود وجامعة قطر أدرجت مقررات في الأخلاقيات المهنية وأخلاقيات الإعلام. وكذلك أدرجت مادة الأخلاقيات المهنية لطلاب ماجستير الاتصالات في المعهد العالي للإدارة السوري منذ عام 2009.

الجذور والتطور

كان تدريس الأخلاقيات مقتصراً على كليات اللاهوت والشرائع الدينية حتى منتصف القرن التاسع عشر، حين أعيد العمل بقسم أبقراط في الكليات الطبية. لكن الموضوع اكتسب زخماً بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة التجارب النازية، فظهرت مدونة نورمبرغ عام 1947 التي وضعت المبادئ الأساسية لأخلاقيات البحث العلمي، وفي مقدمتها الموافقة المستنيرة[1] واحترام كرامة الإنسان. تلاها "إعلان هلسنكي" عام 1964، وتقرير بلمونت في الولايات المتحدة عام 1979 الذي وضع مبادئ أخلاقيات البحث العلمي.

أما الانطلاقة الحقيقية لتدريس الأخلاقيات كمجال أكاديمي مستقل فكانت في سبعينيات القرن الماضي مع تطور العلوم الحيوية والهندسة الوراثية وزرع الأعضاء، وربطت الأخلاقيات البيولوجية الطب بالفلسفة والقانون. وعلى التوازي أدخلت "أخلاقيات البحث العلمي" كمادة إلزامية في معظم الجامعات الكبرى لحماية الكرامة الإنسانية وضمان النزاهة الأكاديمية. واليوم تقف الأخلاقيات في قلب النقاشات العلمية والتكنولوجية، بما تحمله من قضايا متشعبة تمس حياة الإنسان وبيئته.

ويمكن القول خلاصة، إن تدريس الأخلاقيات في الجامعات والمعاهد العليا لم يعد مجرد إضافة نظرية أو مكمل ثقافي، بل أصبح ضرورةً استراتيجية تمليها طبيعة العصر. فالمعارف التقنية وحدها لا تكفي لمواجهة التحديات المعقدة التي تطرحها العلوم والتكنولوجيا الحديثة. يُتيح دمج الأخلاقيات في التكوين الجامعي تسليح الأجيال الجديدة بوعي نقدي وبصيرة إنسانية، لضمان أن يظل التقدم العلمي في خدمة الإنسان لا تهديداً لكرامته أو لوجوده.

تعريف الأخلاقيات

من الضروري عند تدريس هذا الموضوع تقديم تعريف واضح لمجموعة من المفاهيم الأساسية التي قد تبدو مألوفة، لكنها غالباً ما تلتبس على الطلاب، وهي: القيمة والمبدأ والفضيلة والأخلاق والأخلاقيات، نوجزها فيما يلي:

القيمة: هي هدف سام يحظى باعتراف مجتمعي يوجه سلوك الأفراد والمجتمعات نحو ما يُعتبر مرغوباً أو محموداً. وتختلف القيم من ثقافة إلى أخرى، ولكنها تتقاطع في ما يسمى بـ "القيم الإنسانية الكونية"، مثل العدل والحرية والكرامة.

المبدأ: قاعدة أو افتراض يُبنى عليه التفكير أو السلوك كأن نقول: "جميع الناس سواسية أمام القانون". يتميز المبدأ بأنه أكثر صرامة وثباتاً من القيمة، وقد يرتبط بتبعات قانونية أو تنظيمية.

الفضيلة: سلوكٌ أو ميلٌ راسخٌ يتسق مع المبادئ والقيم، مثل الشجاعة والعدل والصدق والنزاهة. قد تكون الفضيلة فطرية بحاجة إلى تنمية أو مكتسبة عبر التربية والممارسة الاجتماعية.

الأخلاق (morals): منظومة من السلوكيات والمعتقدات المتسقة مع القيم والمبادئ السائدة في مجتمع ما. وهي تعبر عن الضمير الفردي والجمعي، وتتحول بمرور الزمن إلى جزء من العادات والتقاليد، بل من الثقافة العامة للمجتمع. كما هو الأمر مثلاً في احترام الأكبر سناً.

الأخلاقيات (Ethics): فرع من الفلسفة يُعنى بالتحليل العقلاني والتأملي للمبادئ والقيم الأخلاقية، كما يهدف إلى تطبيقها على قضايا مستجدة لم يسبق للمجتمع أن واجهها. وتتميز الأخلاقيات بأنها أكثر تجريداً وتنظيراً من مفهوم "الأخلاق" بمعناه اليومي أو الثقافي، وغالباً ما تستخدم في سياقات مهنية ومؤسساتية، كما هو الأمر في صياغة "مدونات مهنية" تحدد قواعد ممارسة مهنة مثل الطب أو الإعلام.

 

الفرق بين الأخلاق والأخلاقيات

من الضروري التأكيد على الفارق بين الأخلاق والأخلاقيات، ذلك أن الفارق يبقى غامضاً بين الاثنين، ويستخدم أحدهما مكان الآخر للضرورات اللغوية، في الإنكليزية كما في العربية.

فالأخلاق نتعلمها في بيوتنا ومدارسنا ومجتمعاتنا، على شكل سلوكيات تقابل تعريفنا للصح والخطأ والحسن والسيئ وما شابه. وهو تعلم مستمر وإن كان معظمه تعلم في الصغر ومطلع الشباب، ومن خلال التجارب الحياتية واللقاءات والقراءات. أما الأخلاقيات، فالأخلاق تمثل أرضيتها التي تُبنى عليها معايير الأخلاقيات. وهذه المعايير هي التي تشكل الأداة التي تسمح بمناقشة عقلانية للقضايا التي لا توفر الأخلاق والقوانين والتشريعات حل لها. يمكن أن تكون نتيجة النقاشات المبنية على الأخلاقيات، قوانين أو تشريعات تضع إطاراً سلوكياً للمسألة المطروحة. يمكن القول إيجازاً إن: "الأخلاق تُكتسب اجتماعياً، أما الأخلاقيات فتصاغ فلسفياً ومؤسساتياً".

لتوضيح الفرق بمثال مباشر: عندما يبادر شخص إلى مساعدة جاره المريض أو احترام الأكبر سناً بدافع من تربيته وقيمه الاجتماعية، فهذا من الأخلاق. أما عندما يلتزم الطبيب بمدونّة مهنية تمنعه من إفشاء أسرار مرضاه حتى بعد وفاتهم، فهذا من الأخلاقيات. كذلك فإن احترام كلمة الشرف في التجارة يُعد من الأخلاق، في حين أنّ سنّ قوانين وأنظمة تمنع تضارب المصالح في الشركات أو تفرض الشفافية في الصفقات يندرج ضمن الأخلاقيات.

 

فصول الأخلاقيات

يُقسّم الفلاسفة الأخلاقيات في ثلاثة فصول أو مناحٍ (انظر Fieser, 1999). منحى ما وراء الأخلاقيات بقصد تحليل الأسس النظرية والمعرفية للمفاهيم الأخلاقية وطبيعتها. ومنحى الأخلاقيات القياسية، التي تركز على تحديد المعايير العامة للسلوك الأخلاقي، وبناء إطار معياري يستخدم للحكم على الأفعال بوصفها "صحيحة" او "خاطئة". والمنحى الثالث الخاص بالأخلاق التطبيقية، الذي يخص تطبيق النظريات والمبادئ الأخلاقية على قضايا واقعية، كما هو الحال في مسائل مثل عقوبة الإعدام والردع النووي والتجارب الطبية والذكاء الاصطناعي.

وبالنظر إلى أغراض التدريس في التخصصات غير الفلسفية، فإن التركيز ينبغي أن يكون على الأخلاقيات القياسية وخصوصاً الأخلاقيات التطبيقية.

 

الأخلاقيات القياسية

لا توجد قاعدة واحدة أو نظرية عامة يمكن استخدامها في قياس أخلاقية الأفعال. وهناك نظريات عديدة من خلفيات وفترات زمنية مختلفة، يمكن استخدام إحداها أو بعضها معاً، بحسب المسألة المطروحة وسياقها.

ظهرت معايير مختلفة تهدف للإجابة عن سؤال: كيف ينبغي أن نتصرف إزاء سؤال أخلاقي طارئ؟ تطورت القواعد أو الإجابات مع الزمن، يمكن أن نعددها بترتيبها الزمني على النحو الآتي:

1.     القاعدة الذهبية Golden Rule، قاعدة المعاملة بالمثل (كما وردت في البوذية أو الديانات السماوية): "عامل الناس كما تحب أن يعاملوك". مثال ذلك في الحياة اليومية رفض الغش في أي مجال كان.

2.     أخلاقيات أرسطو الوسطية: إذ يقول إن الفضيلة تكمين بين نهايتين سيئتين، فالشجاعة وسط بين التهور والجبن، والكرم وسط بين البخل والتبذير. مثالها الإنفاق الواعي على مشروع خيري من دون إسراف أو بخس.

3.     أخلاقيات الواجب الكانطية Deontology: الفعل الأخلاقي واجب مطلق يُعمل به بصرف النظر عن نتائجه. مثالها قول الحقيقة أمام القضاء حتى لو كان في ذلك ضرر شخصي، لأن الصدق واجب.

4.     الأخلاقيات النفعية أو الغائية utilitarianism: قال بها جيريمي بنتام Bentham وستيورات مل Mill: معيار الفعل بأنه أخلاقي إذا كانت نتائجه الإيجابية تفوق نتائجه السلبية على المجتمع. مثالها، سنّ قوانين إلزامية لوضع أحزمة الأمان رغم تقييدها للحرية الفردية لأنها تنقذ آلاف الأرواح.

5.     نظرية الفضيلة Virtue Ethics: بالرغم من جذورها القديمة مع أرسطو، فقد عادت للظهور حديثاً، وتطالب بتنمية خصال مثل الصدق والرحمة تجعل السلوك الأخلاقي عادة. مثالها الطبيب الذي يحسن معاملة مرضاه حتى في غياب رقابة. وطابعها المعياري يكمن في أن مَن تلقى تربية قوامها الفضيلة سيكون أكثر قدرة على اتخاذ القرار الأخلاقي الصائب.

6.     الأخلاقيات النسوية: تركز على قيم الرعاية والتعاطف بدلاً من الحياد الصارم، وتنتقد تجاهل مساهمات المرأة في الفكر الأخلاقي. مثالها الاهتمام بتوفير رعاية خاصة للأمهات العاملات في مكان العمل.

7.     الأخلاقيات السياقية: التي ترى أن الأحكام الأخلاقية تختلف باختلاف البيئات الثقافية والاجتماعية. مثالها الجدل حول زراعة الأعضاء الذي يقبل فيبعض الثقافات ويرفض في أخرى.

8.     الأخلاقيات البيئية: توسع دائرة الأخلاق لتشمل الطبيعة والكائنات الحية الأخرى. مثالها رفض مشروع صناعي يلوث النهر حتى لو كان مربحاً اقتصادياً.

9.     الأخلاقيات الرعوية Care Ethics: تطورت خصوصاً في السياقات الدينية والاجتماعية، وتقوم على مرافقة الأفراد في ظروف حياتية صعبة بالرحمة والرعاية أكثر من الأحكام الصارمة. مثالها دعم شخص مريض بالإدمان عبر التوجيه والرعاية بدلاً من الاكتفاء بإدانته أخلاقياً.

10.  أخلاقيات المسؤولية والتحوط، التي قال بها هانس يوناس (Jonas, 1984): علينا التفكير في الأجيال القادمة قبل اتخاذ قرارات تكنولوجية قد تؤثر على استدامة الحياة. مثالها ضبط استخدام الذكاء الاصطناعي أو الطاقة النووية بما يضمن سلامة المستقبل.

11.  الأخلاقيات النقاشية التي قال بها يورغان هابرماس (Habermass, 2003): شرعية الموقف الأخلاقي تأتي من خضوعه للنقاش الحرّ والعقلاني بين أفراد متساويين. مثالها صياغة سياسات عامة بعد حوار مجتمعي يضم المواطنين والاختصاصيين.

 

الأخلاقيات التطبيقية

تشمل الأخلاقيات التطبيقية ميادين متعددة مثل الطب والقانون والإعلام وغيرها، كما تظهرها الجداول اللاحقة. غير أن قيمة هذا الحقل لا تكمن في تصنيف المسائل، بل في معالجة قضايا واقعية عبر النقاش ودراسة الحالات، حيث تستدعى القيم الأخلاقية العامة -كالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية – لتوجيه القرارات العملية. يمكن في هذا الخصوص استعراض أمثلة متنوعة من مجالات متباينة لإظهار الإشكاليات الأخلاقية في كل منها.

مثال 1: زرع الأعضاء

·       من حيث الكرامة الإنسانية، يثار سؤال حول حدود التعامل مع الجسد البشري: هل يجوز اعتباره "مصدراً للقطع"؟ وهل التبرع بعد الوفاة يتوافق مع احترام حرمة الجسد؟

·       من حيث العدالة، تُطرح إشكالية توزيع الأعضاء النادرة: هل يُقدَّم المريض الأكثر حاجة، أم الأكثر احتمالاً للنجاح، أم من يملك قدرة مالية؟

·       من حيث الحرية الفردية، تبرز قضية الموافقة المستنيرة: هل يحق للفرد أن يقرر مصير جسده بشكل كامل؟ وماذا عن الضغوط الاجتماعية أو الاقتصادية التي قد تدفع الفقير إلى بيع عضو من أعضائه.

·       من حيث المسؤولية الطبية والقانونية، تُثار أسئلة حول الرقابة على الممارسات غير الشرعية مثل "سياحة الأعضاء"، أو تجارة الأعضاء في السوق السوداء.

تستخدم في هذه الحالة النظرية النفعية بتقييم الفعل بحسب النتائج، واعتبار أن الفعل يكون أخلاقياً إذا كانت نتائجه الإيجابية تفوق نتائجه السلبية على المجتمع. ويجب أن يسعى توزيع الأعضاء إلى تحقيق أقصى منفعة عامة، مثل إنقاذ أكبر عدد من الأرواح أو زيادة فرص النجاح، وليس لمصلحة مادية أو فردية فقط.

مثال 2: الذكاء الاصطناعي

·       من حيث المسؤولية، يطرح الذكاء الاصطناعي سؤالاً محورياً: من يتحمل تبعات قرار خاطئ لآلة مستقلة، مثل سيارة ذاتية القيادة تسببت في حادث؟ المبرمج؟ الشركة المصنّعة؟ أم المستخدم؟

·       من حيث العدالة الاجتماعية، يخشى أن يؤدي استخدام أنظمة التوظيف الآلية إلى ترسيخ التمييز القائم (ضد النساء أو الأقليات) نتيجة البيانات المنحازة التي استخدمها في تعلّمه.

·       من حيث الخصوصية، يثير الذكاء الاصطناعي إشكالات ضخمة بسبب جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات الشخصية دون وعي أو موافقة صريحة من الأفراد.

·       من حيث الكرامة الإنسانية، تُطرح أسئلة فلسفية حول حدود استخدام تقنيات مثل التزييف العميق التي قد تشوه السمعة أو تبتز الأفراد، وحول خطر تقويض الحقيقة نفسها في الفضاء العام.

هنا تستخدم النظرية الكانطية التي تؤكد أن الفعل الأخلاقي واجب مطلق ويجب الالتزام به بغض النظر عن النتائج. وعلى المبرمجين والشركات الالتزام بواجبات محددة مثل حماية الخصوصية وعدم التمييز واحترام الكرامة الإنسانية حتى لو كان الالتزام قد يقلل الربح أو الكفاءة الاقتصادية.

 

مثال 3. سيارة بينتو (Lütge, 2018)

وعند تدريس هذا الموضوع، فمن المفيد في لحظة ما عرض حالة حقيقية، مثل واقعة سيارة بينتو الصغيرة لشركة فورد الأمريكية، التي اكتشفت أن وجود خزان الوقود في خلفية السيارة سيؤدي إلى انفجار السيارة في حالة اصطدام خلفي. لذا لجأت إلى حل رخيص بتغيير موقع الخزان أو إضافة حاجز حماية بكلفة لا تتجاوز 11 دولاراً للسيارة الواحدة. لكن الشركة قررت المضي في الإنتاج كما هو، بعد أن أجرت تحليل كلفة/منفعة خلص إلى أن تعويض ضحايا الحوادث أرخص من تعديل التصميم. ولكن ما حدث هو أن وقعت حوادث عديدة، وخسرت الشركة دعاوى قضائية وأصيبت بفضيحة أخلاقية كبرى. فما هي الدروس الأخلاقية في هذا المثال؟

·       السلامة العامة: أثبتت اختبارات الاصطدام خطورة تصميم خزان الوقود، لكن الشركة تجاهلتها مفضلة الربح على حياة البشر.

·       المسؤولية المهنية: المهندس لا ينبغي أن يخضع بالكامل لمنطق السوق إذا كان يعلم بوجود خلل قاتل.

·       الشفافية: أخفت الشركة عن الجمهور نتائج الاختبارات.

·       العدالة: من يُحاسب في مثل هذه الحالات: الإدارة؟ المهندسون؟ المساهمون؟

تستخدم في هذه الحالة أخلاقيات المسؤولية والتحوط، التي تؤكد على ضرورة التفكير في العواقب طويلة الأمد وحماية حياة البشر قبل اتخاذ القرارات التقنية أو الاقتصادية. فقرار الشركة بعدم تعديل التصميم يعكس تجاهل المسؤولية الأخلاقية تجاه سلامة المستخدمين. تتطلب الأخلاقيات التحوطية مراعاة السلامة أولاً قبل الربح والتصرف بما يحمي الحياة البشرية أساساً.

تظهر الأمثلة آنفة الذكر كيف تتيح الأخلاقيات التطبيقية للطلاب والمهنيين تدريباً عملياً على التفكير النقدي، والتمييز بين الأبعاد المتداخلة للقضايا، وصولاً إلى حلول تراعي الإنسان والمجتمع، لا التقنية أو المصلحة الآنية فحسب.

 

القضايا الأخلاقية المستجدة

يتساءل الطلاب عن مواضيع هذه المادة وعلاقتها باختصاصاتهم. وكمدخل عام، يمكن استعراض مختلف مجالات العلوم والمسائل الأخلاقية التي تطرحها، ويمكن للأخلاقيات أن تساهم في تأطيرها، وذلك بهدف توضيح شمولية الموضوع، مع ذكر أمثلة عن المسائل التي تطرحها هذه الاختصاصات. وللجداول الآتية هدف ثان، لهذه الورقة على الأقل، يتمثل في تبيان ضرورة الأخلاقيات لمختلف الاختصاصات المهنية.  

 

1. العلوم الطبية والحيوية

الاختصاص

أهم مسائل الأخلاقيات

أمثلة معاصرة

الطب والعلوم الصحية

حقوق المرضى، السرّية الطبية، نهاية الحياة، الموافقة المستنيرة، التجارب على البشر والحيوانات.

التبرع بالأعضاء، زرع الأعضاء، التعديل الوراثي، الأم البديلة (الرحم المؤجر)، استخدام البيانات الطبية الحساسة للبحوث.

العلوم البيولوجية والبيوتكنولوجيا

التعديل الوراثي، سلامة التجارب على الكائنات الحيّة، الخصوصية الوراثية.

الاستنساخ، العلاج الوراثي، التجارب على الحيوانات، إدارة معلومات الحمض النووي.

الهندسة الغذائية

سلامة الغذاء، الشفافية في المكونات، الهندسة الوراثية في الأغذية

الأغذية المعدلة وراثياً، استخدام المواد الحافظة، التلاعب بتاريخ الصلاحية، إنتاج بدائل اللحوم.

 

2. الهندسة والتكنولوجيا

الاختصاص

أهم مسائل الأخلاقيات

أمثلة معاصرة

هندسة الحاسوب والذكاء الاصطناعي:

 

الأمن السيبراني، الخصوصية الرقمية، الأنظمة الذكية.

القرصنة. تعطيل شبكات الخدمات العامة، الابتزاز، حماية البيانات، الروبوتات المستقلة، التزييف العميق (Deepfake).

الهندسة المدنية المعمارية

السلامة المهنية، الالتزام بالمواصفات والمعايير، المسؤولية تجاه البيئة.

تصميم مبان مقاومة للكوارث، تخطيط حضري مستدام، الحد من الهدر في المواد والطاقة، تحاشي استخدام المواد السامة.

الهندسة الميكانيكية

السلامة المهنية، تقليل الانبعاثات، نزاهة الصميم والإنتاج.

تصميم معدات آمنة، تقليل الانبعاثات الصناعية، سلامة خطوط الإنتاج.

 

الهندسة الكهربائية والإلكترونية

سلامة الأجهزة، تقليل التلوث الكهرومغناطيسي، إدارة الطاقة بطرق مستدامة.

 

إدارة الطاقة، تقليل المخاطر الكهرومغناطيسية، استخدام مواد صديقة للبيئة.

الهندسة البيئية

حماية الموارد، إدارة النفايات، مسؤولية المشاريع تجاه الطبيعة.

معالجة مياه الشرب، الحد من التلوث الصناعي، إعادة التدوير.

 

3.المجتمع والقانون والإدارة

الاختصاص

أهم مسائل الأخلاقيات

أمثلة معاصرة

القانون

العدالة والإنصاف، استقلالية القضاء، النزاهة في التشريع والتقاضي، منع تضارب المصالح، سيادة القانون.

مكافحة التمييز. التحرش والابتزاز. النزاهة القانونية. تشريعات مكافحة الفساد، قوانين الطوارئ والأمن القومي، استخدام الذكاء الاصطناعي في التحقيقات أو الأحكام القضائية.

الأعمال والإدارة

النزاهة، المسؤولية الاجتماعية، الاستدامة البيئية، الاستثمار الأخلاقي.

تقارير الاستدامة للشركات، الاستثمار في مشاريع صديقة للبيئة، منع الاحتيال المالي والضرائبي، احترام حقوق الإنسان.

الإعلام والصحافة ووسائل التواصل الاجتماعية

المصداقية، الشفافية، الأخبار المضللة، خصوصية المصادر. الخصوصية الرقمية، المحتوى المسؤول، مكافحة خطاب الكراهية

الأخبار الزائفة على الإنترنت، المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، خطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي. حظر المحتوى الضار، مواجهة التضليل المعلوماتي، حماية بيانات المستخدمين

البحث العلمي

النزاهة الأكاديمية، التزوير، الانتحال، التجارب متعددة الاختصاصات.

التلاعب بالبيانات، مشاركة نتائج البحث بشفافية، الاعتراف بالمساهمة البحثية. أخلاقيات التعاون الدولي.

التربية والتعليم

العدالة في فرص التعليم والنزاهة الأكاديمية، المساواة بين الجنسين، التعليم الشامل لذوي الاحتياجات الخاصة.

الغش الإلكتروني، العدالة في القبول الجامعي، التمييز في المناهج.

الاقتصاد والتمويل

الشفافية المالية، العدالة الضريبية، النزاهة في الأسواق.

الأزمات المالية، العملات الرقمية، القروض الاستغلالية، تمويل الأنشطة غير المشروعة، مكافحة الفساد وغسل الأموال.

السياسة والإدارة العامة

حقوق الإنسان، النزاهة في الحكم، الشفافية، مكافحة المحسوبية، تمثيل الفئات المهمشة.

سياسات الهجرة واللجوء، الإفصاح عن تضارب المصالح، تشريعات الطوارئ، التمثيل السياسي العادل، نزاهة الانتخابات.

 

4. الصناعة والزراعة والبيئة والفنون

الاختصاص

أهم مسائل الأخلاقيات

أمثلة معاصرة

الزراعة

الاستدامة الزراعية، العدالة في توزيع الموارد، حماية حقوق المزارعين، أخلاقيات الهندسة الوراثية في المحاصيل، الرفق بالحيوان.

استخدام المبيدات والأسمدة الكيميائية، الزراعة المعدلة وراثياً، احتكار البذور، ندرة المياه، تربية الحيوانات في ظروف قاسية (مزارع الدواجن أو الأبقار الصناعية).

الصناعة

السلامة المهنية، حماية حقوق العمال، النزاهة في الإنتاج، المسؤولية البيئية، الشفافية في سلسلة التوريد.

حوادث المصانع (حريق مصانع النسيج)، عمالة الأطفال، التلوث الصناعي، الاستغلال في سلاسل التوريد العلمية، تصنيع أسلحة الدمار الشامل.

البيئة والمناخ

العدالة البيئية، مسؤولية الأجيال الحالية تجاه المستقبل، إدارة الموارد الطبيعية.

التغير المناخي، انبعاثات الكربون، مشاريع الطاقة النووية، عدالة توزيع المياه، ضرائب التلوث.

الفنون والثقافة

الملكية الفكرية، حرية التعبير، احترام التنوع الثقافي، حدود النقد الفني.

القرصنة الفنية، حقوق المؤلف، الجدل حول الأعمال المسيئة للرموز الثقافية أو الدينية.

 

5. السلاح والحرب

الاختصاص

أهم مسائل الأخلاقيات

أمثلة معاصرة

السلاح والحرب

شرعية الحروب، التناسب في استخدام القوة، حماية المدنيين، منع الأسلحة المحرمة دولياً، تجارة الأسلحة، المسؤولية عن جرائم الحرب.

استخدام الطائرات المسيرة (Drones) في الاستهداف، تطوير أسلحة ذاتية التشغيل بالذكاء الاصطناعي، انتشار الأسلحة النووية والكيميائية، الحروب بالوكالة، تهريب السلاح إلى مناطق النزاع.

 

تعليم الأخلاقيات في المعاهد العليا

الهدف

ليس الهدف من تدريس الأخلاقيات في الجامعة تعليم الطلاب الأخلاق والفضائل والقيم، فهذا دور تتولاه الأسرة والمدرسة والثقافة المجتمعية منذ المراحل الأولى للنشأة. وإنما يتمثل الهدف الحقيقي في تنمية الحسّ الأخلاقي لدى الطالب وتعزيز قدرته على الاستدلال الأخلاقي(Clarkeburn, 2002) ، أي تمكينه من التعرف على المعضلات الأخلاقية التي قد تواجهه في حياته المهنية، ومن ثم تحليلها بعقلانية واستحضار القيم ذات الصلة وموازنتها قبل اتخاذ قرار مسؤول. فلمسألة ليست مجرد تلقين قواعد أو إملاء وصايا، بل تدريب عملي على التفكير النقدي المستند إلى أسس عقلية وأخلاقية متينة.

مناهج التعليم

تشير الأدبيات إلى ثلاثة مناهج (Illingworth, 2004) رئيسية في تعليم الأخلاقيات:

1. النهج البراغماتي: يرتكز على القوانين ومدونات السلوك والمعايير التنظيمية المهنية. وبحسب هذا النهج يُعلّم الطلاب ما الذي يجب أن يفعله المهني وفقاً لمدونة الأخلاق أو المعايير من دون التوسع في النظريات الأخلاقية.

2. النهج المضمّن: يدمج البعد الأخلاقي ضمن التعليم العملي أو التخصص نفسه، من خلال التأمل في الخبرات والسرديات والأنشطة التطبيقية، من دون أن يكون لها مقرر مستقل.

3. النهج النظري: يُعطى فيه للأطر النظرية الأخلاقية أهمية مركزية، ويُدرّب الطلاب على استخدامها في تحليل الحالات الواقعية.

ولئن كان النهج البراغماتي هو الأكثر سهولة في التنفيذ، فإن التجارب الدولية أثبتت (Lawlor, 2007) أن المزج بين هذه المناهج الثلاثة يمنح العملية التعليمية شمولية وفعالية أكبر، إذ يجمع بين القاعدة القانونية والارتباط بالواقع والعمق الفلسفي الذي يضفي الشرعية على النقاش.

مدة المقرر

تتفاوت مدة المقررات بحسب طبيعة الاختصاص، ففي المجالات الحساسة مثل الطب وعلوم الأحياء أو التكنولوجيا الحيوية أو الذكاء الاصطناعي، أي الاختصاصات التي تتضمن مخاطر أو سوء استخدام (Rappert, 2010)، فيحتاج الطالب إلى تدريب معمّق قد يمتد فصلاً دراسياً كاملاً، في حين أنه يمكن في اختصاصات أخرى الاكتفاء ببرامج مكثفة لا تتجاوز بضعة أسابيع، بمعدل ساعتين أسبوعياً.

خلفية المدرس

لا ينصب النقاش على المدة فقط بل أيضاً على هوية المدرس المناسب لهذه المقررات. هناك رأيان أساسيان في الأدبيات ( (Spelt, 2009:

·       أن يكون المدرس من الاختصاص نفسه على معرفة جيدة بالفلسفة الأخلاقية، ما يمكنه من إدراك طبيعة المعضلات المرتبطة بمجاله.

·       أو أن يكون من خلفية فلسفية متخصصة في الأخلاقيات، ما يجعله قادراً على عرض النظريات والمعايير الأخلاقية بعمق.

هناك من يرجح الخيار الأول (Clarkeburn, 2002) ، على اعتبار أن الهدف من المادة ليس التعمق الفلسفي بقدر ما هو تمكين الطالب من تحديد المعضلات الأخلاقية ضمن اختصاصه وتحليلها بعقلانية، وهناك من يأخذ بالخيار التشاركي، بحيث يجمع الأستاذ المتخصص في المجال مع أستاذ الأخلاقيات في تقديم المقرر، وهو أسلوب يضمن التوازن بين العمق الفلسفي والوعي العملي. وفي كل الأحوال فيكون الخيار بحسب مقدرات الجامعة بالدرجة الأولى.

طريقة التدريس

أفضل الأساليب، بحسب التجربة، هو ورشات عمل قائمة على دراسة الحالات (Barahona, 2025). تُعرض على الطلاب مواقف أخلاقية معقدة ومصممة لتحفيز النقاش وتوسيع الوعي بالقضايا الأخلاقية. وتُدار النقاشات بمشاركة طلاب من تخصصات مختلفة لضمان تنوع الرؤى واقتراح الحلول، ويتولى المدرس طرح القضايا، وعرض المعايير الأخلاقية ذات الصلة وتوجيه الحوار. على القضايا المطروحة أن تكون واقعية تساعد على تجسيد التحديات الأخلاقية وتدرب الطلاب على الموازنة بين القيم المتعارضة.

من المفيد أيضاً الاطلاع على بعض المدونات المهنية الخاصة بكل اختصاص، لكن يبقى الهدف المركزي هو تعليم التفكير العقلاني لا مجرد حفظ القواعد.

ويقاس نجاح الطلاب في مثل هذه المقررات ليس بمقدار ما حُفظ من قواعد أو نظريات، بل في مقدرته على تفكيك المعضلة الأخلاقية وصياغة حجج منطقية متماسكة، والمشاركة في النقاش الجماعي بروح نقدية وباحترام للرأي الآخر، وصولاً إلى اقتراح حلول عملية متوازنة. إن المقياس الحقيقي هو أن يتحوّل الطالب إلى مهني مسؤول قادر على الموازنة بين ما تتيحه التكنولوجيا وما تمليه القيم الإنسانية وبين مصلحته الفردية والخير العام.


Aristote. (1924). علم الأخلاق إلى نيقوماخوس [Nicomachean ethics] (Trad. Ahmed Lotfi El-Sayed). مطبعة دار الكتب المصرية.

Barahona, C., & Rodríguez, M. F. (2025). Exploring students’ perceptions of active learning in teaching ethical deliberation: A case study in higher education. Journal of Academic Ethics, 23(4), 1897–1913. https://doi.org/10.1007/s10805-025-09633-z

Clarkeburn, H. (2002). The aims and practice of ethics education in an undergraduate curriculum: Reasons for choosing a skills approach. Journal of Higher and Further Education, 26(4), 307–315. https://doi.org/10.1080/0309877022000021711

Fieser, J. (1999). Metaethics, normative ethics, and applied ethics. Wadsworth Publishing.

Habermas, J. (2003). The future of human nature. Polity Press.

Illingworth, S. (2004). Approaches to ethics in higher education: Teaching ethics across the curriculum. Leeds: Philosophical and Religious Studies Subject Centre, Learning and Teaching Support Network (PRS-LTSN).

Jonas, H. (1984). The imperative of responsibility: In search of an ethics for the technological age. University of Chicago Press.

Kant, I. (2011). نقد العقل العملي [Critique of practical reason] (Trad. المنظمة العربية للترجمة). المنظمة العربية للترجمة.

Lawlor, R. (2007). Moral theories in teaching applied ethics. Journal of Medical Ethics, 33(6), 370–372. https://doi.org/10.1136/jme.2006.018044

Lütge, C. (2018). Ford Pinto: Is cost-benefit analysis allowed in ethical decision making? SAGE Publications. https://doi.org/10.4135/9781526442093

National Commission for the Protection of Human Subjects of Biomedical and Behavioral Research. (1979). The Belmont Report. https://media.tghn.org/medialibrary/2011/04/Belmont_Report_1979.pdf

Rappert, B. (2010). Education and ethics in the life sciences: Strengthening the prohibition of biological weapons. ANU E Press.

Science and Technology Ethics (R. E. Spier, Ed.). (2002). Routledge.

Spelt, E., Biemans, J. A. H., Tobi, H., Luning, P. A., & Mulder, M. (2009). Teaching and learning in interdisciplinary higher education: A systematic review. Educational Psychology Review, 21(4), 365–378. https://doi.org/xxxx

UNESCO. (2015). Make bioethics everyone’s business. UNESCO Publishing.

University of Oxford, Uehiro Oxford Institute. (2024). Uehiro Centre for Practical Ethics. https://www.uehiro.ox.ac.uk/

World Medical Association. (1964). Declaration of Helsinki. Retrieved from https://iris.who.int/bitstream/handle/10665/268312/PMC2566407.pdf

World Medical Association. (1947/1996). The Nuremberg Code (1947). British Medical Journal, 313(7070), 1448–1475. https://doi.org/10.4103/2229-3485.80371

 



[1] تعني أن المريض أو المشارك في تجربة طبية أو بحث علمي، لا يوافق على الإجراء الطبي أو البحثي بطريقة آلية، وإنما بعد أن يحصل على معلومات كافية وواضحة من الكادر الطبي تمكنه من اتخاذ قرارٍ حرّ وواعٍٍ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صورة جهنم وتطورها

موسيقى أم موسيقا ؟ (بقلم محمود الحامد)

الإسفنج.... حيوان أم نبات!