ولا يعني ذلك أن هذه الدول معفاة من مسؤولياتها بعد الاستقلال، أو أن كل أزماتها يمكن تفسيرها فقط من خلال الإرث الاستعماري. فقد خاضت هذه الدول تجارب سياسية خاصة بها بعد خروج القوى الأجنبية، وكان من أبرز سماتها صعود دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.
ففي عدد من الجمهوريات العربية، أصبحت الانقلابات العسكرية سمة بارزة في العقود الأولى بعد الاستقلال، كما حدث في مصر وسوريا والعراق. وقد أدى تدخل الجيش في السياسة إلى إضعاف الحياة الحزبية والمؤسسات المدنية، وإعاقة تطور نظام سياسي يقوم على التداول السلمي للسلطة وبناء مؤسسات مستقرة.
ومع اختلاف السياقات المحلية بين هذه الدول، فإن القاسم المشترك بينها كان انتقال مركز القرار السياسي تدريجيًا من المؤسسات المدنية إلى أجهزة الدولة العسكرية والأمنية، وهو مسار ترك آثارًا عميقة على طبيعة الدولة والمجتمع السياسي فيها حتى العقود اللاحقة.
ومن أكثر الوقائع رسوخًا في الذاكرة المشرقية اتفاق سايكس–بيكو عام 1916، الذي وضع إطارًا لتقاسم مناطق النفوذ بين بريطانيا وفرنسا في المشرق العربي خلال الحرب العالمية الأولى. وقد عُدّ هذا الاتفاق، في الوعي الشعبي والسياسي في المنطقة، مثالًا على رسم حدود وترتيبات سياسية وفق مصالح القوى الأوروبية الكبرى أكثر مما وفق تطلعات شعوب المنطقة ومكوناتها المختلفة.
ولم تكن هذه الترتيبات خالية من الآثار العميقة التي ما زالت حاضرة حتى اليوم؛ فالكرد، على سبيل المثال، خرجوا من ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى من دون تحقيق مشروع الدولة المستقلة الذي كان بعض قادتهم يطمحون إليه، وتوزعت مناطق وجودهم بين عدة دول، الأمر الذي ترك أثرًا مستمرًا في تاريخهم السياسي الحديث.
ومع أن اتفاق سايكس–بيكو لم يكن العامل الوحيد الذي رسم خريطة الشرق الأوسط الحديثة، فإن رمزيته بقيت قوية باعتباره أحد التعبيرات المبكرة عن تدخل القوى الأوروبية في تحديد مستقبل المنطقة، في مرحلة انتقالها من الحكم العثماني إلى نظام الانتدابات والدول الحديثة.
تلت ذلك مؤتمرات ما بعد الحرب العالمية الأولى التي أعادت رسم خريطة المشرق، ولا سيما مؤتمر سان ريمو عام 1920، حيث أقرت عصبة الأمم نظام الانتداب البريطاني والفرنسي على المناطق التي خرجت من الحكم العثماني. وقد ترك هذا النظام آثارًا عميقة في المنطقة، بعضها ارتبط ببناء مؤسسات إدارية وتعليمية وقانونية حديثة، وبعضها الآخر ارتبط بإشكالات سياسية واجتماعية امتدت آثارها إلى العقود اللاحقة.
فقد ساهمت سياسات الانتداب في رسم حدود جديدة وتكوين كيانات سياسية لم تكن دائمًا منسجمة مع التكوينات الاجتماعية والتاريخية المحلية، كما أثرت في علاقة الجماعات المختلفة بالدولة الحديثة. ويمكن ملاحظة بعض آثار هذه المرحلة في دول مثل لبنان وسوريا والعراق، التي واجهت خلال تاريخها الحديث تحديات سياسية مرتبطة بتنوعها الاجتماعي، إضافة إلى عوامل أخرى لاحقة تتعلق بأنظمة الحكم والصراعات الإقليمية والدولية.
ولا يعني ذلك أن مجتمعات المشرق كانت خالية من الخبرة السياسية قبل الانتداب؛ فقد عرفت أشكالًا متعددة من الإدارة والتنظيم المحلي خلال العهد العثماني، وظهرت فيها حركات إصلاحية وثقافية وسياسية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. غير أن الانتقال إلى نموذج الدولة القومية الحديثة جرى في ظروف فرضتها تحولات دولية كبرى، ولم يكن دائمًا نتيجة تطور داخلي تدريجي.
ولم يكن اكتشاف البترول في الشرق الأوسط بلا آثار عميقة على مجتمعات المنطقة ومستقبلها السياسي. فقد أدى تزايد أهمية النفط، خصوصًا منذ بدايات القرن العشرين ومع تحوّل العالم الصناعي إلى الاعتماد المتزايد على الطاقة النفطية، إلى جعل الشرق الأوسط منطقة ذات أهمية استراتيجية كبرى في حسابات القوى الدولية.
وقد ارتبطت هذه الأهمية بتنافس القوى الإمبريالية، في البداية البريطانية والفرنسية، ثم الأمريكية لاحقًا، على النفوذ في المنطقة وضمان الوصول إلى مصادر الطاقة وطرق نقلها. ومع أن بلاد الشام لم تكن من أغنى مناطق النفط، فإن موقعها الجغرافي جعلها جزءًا من هذه الحسابات الكبرى، سواء عبر مشاريع خطوط الأنابيب أو عبر ارتباطها بالصراعات الإقليمية والدولية حول الشرق الأوسط.
وهكذا أصبح النفط عاملًا إضافيًا في تعقيد تاريخ المنطقة السياسي، إذ تداخلت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الكبرى مع التحولات الداخلية التي شهدتها مجتمعات المشرق منذ القرن العشرين وحتى اليوم.
وما يثير التساؤل في تجربة القوى الإمبريالية في المشرق هو التناقض بين الخطاب الذي رفعته حول قيم الحرية والمساواة والعدالة، وبين كثير من الممارسات التي قامت بها على أرض الواقع، حيث ارتبط حضورها في المنطقة بالمصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية أكثر مما ارتبط دائمًا بتلك المبادئ المعلنة. وقد زاد هذا التناقض من شعور كثير من المشرقيين بأن الخطاب الأوروبي عن القيم لا ينسجم مع التجربة التاريخية للاستعمار والتدخلات الأجنبية.
ويظهر هذا التناقض بوضوح في السياسة الفرنسية تجاه المشرق، حيث ارتبط النفوذ الفرنسي تاريخيًا بعلاقات خاصة مع بعض الجماعات المسيحية، ولا سيما الموارنة في لبنان، وبفكرة حماية المسيحيين الشرقيين. وقد رأى كثير من سكان المنطقة أن هذا الاهتمام بالأقليات كان جزءًا من أدوات النفوذ السياسي، خصوصًا عندما كانت الزيارات والتصريحات الرسمية تركز على الجماعات الدينية الخاصة أكثر من تركيزها على المجتمع بمختلف مكوناته.
أما مفهوم "الأقليات" بالمعنى السياسي الحديث، فقد ترسخ في المنطقة خصوصًا بعد الحرب العالمية الأولى مع نظام الانتداب وعصبة الأمم، حين أصبحت قضايا الجماعات الدينية والإثنية جزءًا من ترتيبات السياسة الدولية. ومع ذلك، فإن تنوع المشرق الديني والإثني أقدم بكثير من التدخل الأوروبي؛ فقد عرفت المنطقة عبر تاريخها جماعات متعددة عاشت فترات طويلة من التعايش، لكنها عرفت أيضًا توترات وصراعات مرتبطة بالسلطة والسياسة والظروف الاجتماعية.
يمكن القو إن التدخل الأوروبي استثمر في خلق الانقسامات التي بقيت آثارها حاضرة في تاريخ المنطقة الحديث وجعل منها موطئ قدم للتدخل عند اللزوم.
وهنا يظهر مرة أخرى الدور الإشكالي للقوى الغربية الكبرى، إذ اتسمت سياسات الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في كثير من مراحلها بالبراغماتية والسعي إلى حماية مصالحها الاستراتيجية المباشرة، سواء تعلق الأمر بالطاقة أو النفوذ السياسي أو التوازنات الدولية، أكثر مما ارتبط دائمًا بتطلعات شعوب المنطقة إلى الاستقلال والتنمية وبناء أنظمة سياسية مستقرة.
وقد خلق هذا التناقض بين الخطاب المعلن حول الحرية والديمقراطية وحقوق الشعوب، وبين بعض الممارسات الفعلية على الأرض، صورة سلبية راسخة لدى قطاعات واسعة من المشرقيين تجاه الغرب، حيث بدا لهم أن المبادئ التي تُرفع في الخطاب السياسي لا تطبق دائمًا عندما تتعارض مع المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى.
تعليقات
إرسال تعليق