عندما يؤكد العلم المعروف الشائع

 




في مقال كتبته الدكتورة Tomiko Yoneda وزملائها بعنوان "Better Together: Coexperienced Positive Emotions and Cortisol Secretion in theDaily Lives of Older Couples"
نشر عام 2025 في مجلة of Personality and Social Psychology Journal

تقوم فكرته الأساسية على ملاحظة معروفة في علم النفس، وهي أن المشاعر الإيجابية (كالفرح والسعادة والرضا) ترتبط بصحة أفضل وطول العمر. لكن معظم الدراسات السابقة كانت تدرس مشاعر الفرد وحده. أما السؤال الذي تطرحه هذه الدراسة فهو: هل تكون الفائدة الصحية أكبر عندما يعيش شخصان المشاعر الإيجابية نفسها في الوقت نفسه؟ أي ليس مجرد أن يكون كل واحد سعيداً بمفرده، بل أن يشتركا في لحظة سعادة واحدة.
وفي دراستهم اعتمد الباحثون على بيانات 321 زوجاً من كبار السن تتراوح أعمارهم بين 56 و89 عاماً. عبر الحياة اليومية التي كان فيها المشاركون: يسجلون مشاعرهم عدة مرات في اليوم، ويجري قياس مستوى الكورتيزول (هرمون التوتر) في اللعاب في الأوقات نفسها. ثم قارن الباحثون بين: المشاعر الإيجابية التي يشعر بها كل شخص بمفرده. والمشاعر الإيجابية المشتركة بين الزوجين عندما يكون كلاهما سعيداً في اللحظة نفسها.
أظهرت الدراسة أنه في نحو 38% من الأوقات التي كان الزوجان معاً، كان كلاهما يشعر بمستوى أعلى من المعتاد من المشاعر الإيجابية. وعندما تحدث هذه المشاعر المشتركة، ينخفض مستوى الكورتيزول، أي ينخفض التوتر الفيزيولوجي، حتى بعد أخذ المشاعر الفردية في الاعتبار. ولم يكن هذا الأثر مرتبطاً بالعمر أو الجنس أو حتى بدرجة الرضا عن العلاقة الزوجية؛ أي أن الفائدة ظهرت لدى مختلف الأزواج. كما أن انخفاض الكورتيزول لم يقتصر على اللحظة نفسها، بل استمر إلى القياس التالي، مما يشير إلى أن أثر المشاعر المشتركة قد يمتد إلى ما بعد انتهاء الموقف مباشرة.
ولتفسير ذلك اعتمد الباحثون على ما يسمى نظرية "الرنين الإيجابي "(Positivity Resonance Theory)، التي ترى أن الفائدة لا تنتج من الشعور بالسعادة وحده، بل من تقاسمها مع شخص آخر. فعندما يضحك شخصان معاً، أو يفرحان بالحدث نفسه، أو يعيشان لحظة دفء إنساني مشتركة، فإن العلاقة نفسها تصبح مصدراً للصحة النفسية والجسدية. وبذلك لا تكون المشاعر الإيجابية مجرد حالة داخلية، بل تصبح ظاهرة اجتماعية لها آثار بيولوجية يمكن قياسها.
تضيف هذه الدراسة فكرة جديدة إلى علم النفس الصحي: ليس المهم فقط أن يكون الإنسان سعيداً، بل إن السعادة المشتركة قد تكون أكثر فائدة من السعادة الفردية. ولهذا يقترح الباحثون أن تشجيع العلاقات الاجتماعية الدافئة والتجارب الإيجابية المشتركة قد يكون وسيلة لتحسين الصحة، خاصة لدى كبار السن. كما يشيرون إلى أن هذه الفكرة قد لا تقتصر على الأزواج، بل يمكن أن تنطبق أيضاً على الأصدقاء وأفراد الأسرة وغيرهم، وهو ما يحتاج إلى مزيد من البحث.
ولكن هذه النتيجة ليست إلا تأكيداً لما هو معروف من الأزل، أليس كذلك؟ نعم، إلى حد كبير. وهذه نقطة مهمة في فهم طبيعة البحث العلمي.
فالدراسة لا تكتشف أن "الإنسان يكون أسعد مع من يحب"، فهذا أمر عرفته البشرية منذ آلاف السنين. ما تضيفه الدراسة ليس الفكرة نفسها، بل طريقة إثباتها. ومن زاوية فلسفية، يمكن القول إن هذه الدراسة تدعم فكرة قديمة تعود إلى أرسطو، الذي رأى أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وأن الحياة الطيبة لا تتحقق في العزلة، بل في العيش مع الآخرين داخل مجتمع من العلاقات الإنسانية. وبعد أكثر من ألفي عام، تأتي أدوات علم النفس وعلم الأحياء لتقيس جانباً من هذه الفكرة القديمة بلغة الهرمونات والإحصاء.
لذلك، فإن قيمة الدراسة ليست في أنها تخبرنا بشيء لم نكن نعرفه، بل في أنها تقدم دليلاً تجريبياً على أن العلاقات الإنسانية ليست مجرد ترف اجتماعي أو شعور عابر، وإنما عامل يمكن أن يترك أثراً فسيولوجياً قابلاً للقياس. وهذا النوع من الأدلة هو ما يسمح لاحقاً بتطوير سياسات صحية أو برامج لمكافحة العزلة الاجتماعية لدى كبار السن، استناداً إلى بيانات علمية لا إلى الحدس وحده.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسطورة الخلق البابلية: إنوما إيليش

قصة هند بنت النعمان مع الحجاج بن يوسف

تاريخ السكر