عبد الله العروي ومفهوم الدولة: هل للدولة تاريخ واحد؟



تبدو الدولة اليوم أمراً بديهياً إلى درجة أننا نكاد لا نتساءل عن أصلها. لكل بلد دولة، ولكل دولة حكومة ومؤسسات وقوانين وجيش وإدارة وضرائب وحدود وسيادة، حتى أصبح من الصعب أن نتخيل مجتمعاً سياسياً من دونها. لكن هذا البديهي الذي نعيش داخله ليس بديهياً في التاريخ. فالدولة، بالمعنى الذي نعرفه اليوم، ليست مجرد استمرار طبيعي للدولة القديمة، وإنما هي نتيجة مسار تاريخي طويل تغيرت خلاله مفاهيم السلطة والقانون والمواطنة والسيادة والعلاقة بين الفرد والجماعة.
من هنا تأتي أهمية كتاب عبد الله العروي "مفهوم الدولة"، الذي يحاول أن يتتبع تشكل مفهوم الدولة الحديثة من خلال تاريخ الفكر السياسي الأوروبي، من هوبز ولوك وروسو وهيغل إلى ماركس وفيبر. والعروي لا يتعامل مع هذه الأفكار باعتبارها مجرد آراء فلسفية منفصلة عن الواقع، بل يرى أن فهم الدولة الحديثة يقتضي فهم المفاهيم التي رافقت نشأتها وتطورها.
وهنا تبدأ المسألة الأكثر إثارة للاهتمام: هل كانت الأفكار هي التي صنعت الدولة الحديثة، أم أن الدولة كانت تتشكل في الواقع قبل أن تأتي الفلسفة لتمنحها تفسيرها النظري؟
فقد شهدت أوروبا، قبل هوبز ولوك وروسو، تحولات عميقة: تركز السلطة السياسية، وتراجع السلطات المحلية، ونشوء جيوش دائمة، وتطور النظام الضريبي، واتساع الجهاز الإداري، وتغير طبيعة الحرب، ثم ظهور اقتصاد وأسواق تتجاوز الأطر المحلية. ولم تكن هذه التحولات مجرد نتائج لأفكار الفلاسفة، بل كانت وقائع تاريخية ومادية ساهمت هي نفسها في إنتاج الحاجة إلى مفاهيم سياسية جديدة.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى هوبز أو لوك أو روسو لا باعتبارهم "صانعي" الدولة الحديثة، وإنما باعتبارهم أيضاً مفكرين حاولوا فهم عالم سياسي كان يتغير أمامهم، وصياغة المبادئ التي يمكن أن تقوم عليها السلطة الجديدة.
وهذا يفتح الباب أمام قراءة أخرى لتاريخ الدولة. فقد حاول فرانز أوبنهايمر، في كتابه "الدولة" الصادر عام 1908، تفسير نشوء الدولة انطلاقاً من السيطرة والجباية وعلاقات القوة، وحاول كارل فيتفوغل، في كتابه "الاستبداد الشرقي" الصادر عام 1957، الربط بين أشكال معينة من السلطة المركزية والبنى الاقتصادية والإدارية، ولا سيما أنظمة الري الكبرى. وبصرف النظر عن مدى قبولنا اليوم لتفسيرات الرجلين، فإن أهميتهما تكمن في أنهما يذكراننا بأن تاريخ الدولة لا يمكن اختزاله في تاريخ الأفكار السياسية وحده.
وهنا تبرز مشكلة أخرى في قراءة الدولة من منظور أوروبي. فإذا كانت الدولة الحديثة قد تشكلت في أوروبا ضمن ظروف تاريخية محددة، فهل يعني ذلك أن بقية المجتمعات التي لم تمر بالمسار الأوروبي نفسه كانت تفتقر إلى الدولة، أو كانت تعيش بالضرورة في مرحلة "سابقة" عليها؟
تبدو الصين، مثلاً، مثالاً يصعب تجاهله. فقد عرفت منذ قرون طويلة جهازاً إدارياً مركزياً واسعاً، ونظاماً للضرائب، وبيروقراطية منظمة، وقوانين، وامتحانات لاختيار الموظفين، وسلطة إمبراطورية استطاعت إدارة مساحة شاسعة وملايين السكان. صحيح أن هذه الدولة لم تكن "الدولة الحديثة" بالمعنى الأوروبي، ولم تكن قائمة على مفهوم المواطنة والسيادة الشعبية وحقوق الفرد الذي تطور في أوروبا، لكن ذلك لا يعني أنها كانت مجرد سلطة تقليدية بدائية تنتظر وصول الحداثة إليها.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: الدولة بوصفها مشكلة سياسية عامة عرفتها مجتمعات كثيرة، والدولة الحديثة بوصفها شكلاً تاريخياً محدداً نشأ في ظروف معينة.
وهذا التمييز مهم أيضاً عند الحديث عن الحرية.
فالدولة الحديثة لم تنشأ فقط لتقييد حرية الفرد، وإنما ارتبط تطورها أيضاً بإيجاد الإطار القانوني والمؤسسي الذي يجعل بعض أشكال الحرية ممكنة. عند لوك، مثلاً، لا تكون الدولة مجرد شر لا بد من الحد منه، بل هي ضرورة لحماية الحياة والحرية والملكية من حالة لا يستطيع فيها القانون الطبيعي أن يوفر حماية مستقرة. أما عند هيغل، فتكتسب الدولة مكانة أكثر عمقاً، إذ تصبح المؤسسات السياسية والقانونية التي تتجسد فيها الحرية الموضوعية جزءاً من تحقق الحرية نفسها.
وبذلك لا يكون الخلاف بينهما مجرد خلاف حول "دولة قوية" و"دولة ضعيفة"، بل حول معنى الحرية ومكانتها داخل النظام السياسي.
غير أن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما ننتقل إلى العالم العربي. يؤكد العروي، بحق، أن استيراد المؤسسات الغربية من دون استيعاب المفاهيم والتجربة التاريخية التي أنتجتها لا يكفي لبناء دولة حديثة. فلا يمكن، مثلاً، أن ننقل الدستور أو البرلمان أو الإدارة الحديثة باعتبارها أدوات جاهزة، ثم نتوقع أن تؤدي بالضرورة الوظيفة نفسها التي أدتها في السياق الذي نشأت فيه. فالمؤسسة ليست بناءً مادياً فقط؛ وراءها مفاهيم عن القانون والمواطن والسلطة والحقوق والمسؤولية.
ومن هنا تأتي أهمية مشروع العروي كله: لا يمكن للمجتمع العربي أن يدخل الحداثة بمجرد تقليد نتائجها؛ عليه أن يستوعب الشروط الفكرية والتاريخية التي جعلت هذه النتائج ممكنة.
لكن هنا تحديداً يمكن أن نطرح على العروي السؤال الذي يبدو لي أكثر إلحاحاً: إذا كانت الدولة الحديثة نفسها نتاج تجربة تاريخية أوروبية محددة، أفلا نخاطر، حين نجعلها المعيار الذي نقيس به نضج المجتمعات الأخرى، بإعادة إنتاج المشكلة التي يحذرنا العروي منها؟
بمعنى آخر، إذا كان العروي ينتقد محاولة العثور في التراث العربي والإسلامي على "حداثة كامنة" تشبه الحداثة الأوروبية، كما ينتقد في الوقت نفسه مجرد تقليد أوروبا، أفلا ينبغي لنا أن نذهب خطوة أبعد ونسأل: هل الدولة الحديثة التي نريد الوصول إليها هي بالضرورة الدولة الأوروبية نفسها؟
ربما تكون المسألة أكثر تعقيداً من ثنائية "تقليد الغرب" و"العودة إلى التراث". فالدولة ليست اختراعاً أوروبياً بالمعنى البسيط، لأن المجتمعات الإنسانية عرفت أشكالاً متعددة من التنظيم السياسي والإدارة والسلطة المركزية والقانون قبل أوروبا الحديثة بقرون. لكن الدولة الحديثة كما تبلورت في أوروبا هي شكل تاريخي خاص من هذه الظاهرة، أصبح لاحقاً النموذج العالمي للدولة.
وهنا تكمن المفارقة.
لم تعد أوروبا تقدم للعالم مؤسساتها فحسب، بل قدمت أيضاً اللغة التي نصف بها المؤسسات السياسية نفسها. أصبحنا نتحدث عن الدولة والمواطنة والسيادة والدستور والتمثيل والحقوق والحريات بمفردات تشكلت، إلى حد كبير، داخل التجربة الأوروبية الحديثة. ومن ثم لم تعد المشكلة مجرد سؤال: "هل نقلد الغرب؟"، وإنما سؤال أعمق: إلى أي حد نستطيع التفكير في دولتنا خارج المفاهيم التي أصبح الغرب هو الذي حدد تاريخها ومعانيها؟
ولعل هذا هو السؤال الذي يجعل قراءة "مفهوم الدولة" عند عبد الله العروي أكثر من مجرد عرض لتاريخ الفكر السياسي الأوروبي. فهي تدفعنا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نفهم بها أنفسنا أيضاً.
فالمطلوب ليس إنكار التجربة الأوروبية، ولا البحث عن بديل "شرقي" لها لمجرد أنه شرقي، وإنما إدراك أن الدولة الحديثة ليست وصفة جاهزة، وأن تاريخها ليس بالضرورة تاريخاً واحداً يجب على جميع المجتمعات أن تعيد إنتاجه بالطريقة نفسها.
فإذا كان لكل مجتمع تاريخه، ولكل تاريخ شروطه، فربما يكون السؤال الصحيح ليس: كيف نلحق بالدولة الحديثة؟ بل: كيف نفهم الدولة، في تاريخنا وظروفنا، بحيث تصبح مؤسسة سياسية حقيقية لا مجرد صورة مستوردة عن دولة أخرى؟
وهنا، في تقديري، تكمن القيمة الأعمق لكتاب العروي: ليس في أنه يقدم لنا جواباً نهائياً عن الدولة، وإنما في أنه يجعلنا ندرك أن السؤال عن الدولة نفسه هو سؤال تاريخي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسطورة الخلق البابلية: إنوما إيليش

قصة هند بنت النعمان مع الحجاج بن يوسف

تاريخ السكر