بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 24 يناير 2026

موجز مكثف لكتاب هنري لورانس " المسألة الفلسطينية"



يتناول هنري لورانس المسألة الفلسطينية بوصفها ظاهرة تاريخية–سياسية مركّبة تشكّلت في سياق التحوّلات البنيوية للنظام الدولي الحديث، ولا يمكن فهمها باعتبارها نزاعاً محلياً أو إقليمياً معزولاً عن السياق العالمي. فمنذ أواخر القرن الثامن عشر، دخلت فلسطين المجال السياسي الأوروبي عبر تمثّلات دينية واستشراقية واستراتيجية سبقت نشوء الصراع العربي–الصهيوني ذاته، وأسهمت في إعادة تعريف الإقليم بوصفه «أرضاً مقدسة» وموضوعاً للتدخل الدولي، أكثر منه فضاءً اجتماعياً وسياسياً قائماً بذاته.

يرى لورانس أن تشكّل الصهيونية الحديثة جاء في تفاعل وثيق مع ما عُرف في أوروبا بـ«المسألة اليهودية»، ضمن بيئة فكرية وسياسية إمبريالية سعت إلى إيجاد حلول خارجية لمعضلات داخلية. وفي هذا الإطار، أصبحت فلسطين نقطة تقاطع بين مشروع قومي استيطاني ناشئ ومصالح القوى الأوروبية الكبرى، ما أدى إلى إدماج المجتمع المحلي الفلسطيني إدماجاً غير متكافئ في ترتيبات دولية لم يكن طرفاً فاعلاً في صياغتها.

ويؤكد لورانس على الدور الحاسم الذي أدّاه النظام الدولي، منذ مرحلة الانتداب البريطاني وصولاً إلى النظام الدولي المعاصر، في إنتاج ديناميات الصراع وإدارته. فقد جرى التعامل مع الفلسطينيين، في معظم المراحل، بوصفهم موضوعاً للسياسات الدولية لا فاعلاً سياسياً كامل الحقوق. وفي المقابل، ارتبط قيام دولة إسرائيل وتثبيت وجودها بشبكة معقّدة من أشكال الدعم الدولي السياسية والعسكرية والقانونية، من دون اختزال هذا الارتباط إلى علاقة تبعية مباشرة أو ميكانيكية للقوى الغربية.

كما يحلّل لورانس التحوّل التدريجي للمسألة الفلسطينية من قضية حقوق تاريخية وتحرر وطني إلى ملف أمني–إداري، ولا سيما منذ تسعينيات القرن العشرين. فقد أفضت مسارات التسوية، وبخاصة اتفاقيات أوسلو، إلى إعادة تنظيم الصراع بدلاً من حله، عبر تكريس اختلال بنيوي في موازين القوة سمح باستمرار التوسع الاستيطاني وإعادة إنتاج الوقائع الميدانية، على حساب أي أفق سيادي فعلي للفلسطينيين.

ويُفهم من مجمل تحليل لورانس أن استمرار المسألة الفلسطينية يعكس تناقضاً بنيوياً في الخطاب والممارسة داخل النظام الدولي الحديث، لا سيما في ما يتعلق بتطبيق مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان. ومن هذا المنظور، فإن غياب حل عادل ومستدام لا يعود إلى عوامل محلية فحسب، بل يرتبط بطبيعة النظام الدولي ذاته، وبعجزه البنيوي عن فرض تسويات قائمة على المساواة القانونية والسياسية بين الأطراف.

الخميس، 24 يوليو 2025

حصاد الماء من الهواء باستخدام الطاقة الشمسية: تقنية واعدة لمواجهة أزمة المياه

 

حصاد الماء من الهواء باستخدام الطاقة الشمسية: تقنية واعدة لمواجهة أزمة المياه

مع تزايد أزمة المياه العذبة في العالم، خصوصًا في المناطق الجافة والصحراوية، برزت تقنيات مبتكرة تهدف إلى استخلاص المياه مباشرة من الهواء. من أبرز هذه التقنيات ما طوّره فريق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بقيادة الدكتورة إيفلين وانغ[i]، وهو جهاز يعمل بالطاقة الشمسية بالكامل، يعتمد على مواد ماصّة للرطوبة لاستخلاص مياه صالحة للشرب حتى في البيئات ذات الرطوبة المنخفضة جدًا.

آلية العمل

يعتمد الجهاز على مبدأ امتصاص الرطوبة ثم تكثيفها باستخدام أشعة الشمس:

  1. الامتصاص الليلي: وذلك باستخدام مواد ماصّة للرطوبة عالية الكفاءة مثل الإطارات المعدنية العضوية(MOFs)  أو في الزيوليت النماذج الأحدث. وهي مواد تحتجز بخار الماء الموجود في الهواء، حتى عندما تكون نسبة الرطوبة منخفضة جدًا (10-20%).
  2. التحرير والتكثيف النهاري: يبدأ ذلك مع طلوع الشمس، إذ تعمل الحرارة الطبيعية على تسخين المواد الماصّة، فتطلق بخار الماء المحتجز. يُوجّه البخار نحو مكثّف بارد نسبيًا، حيث يتكاثف ويتحول إلى مياه نقية صالحة للشرب. أي أن النظام يعتمد كليًا على الطاقة الشمسية دون حاجة للكهرباء أو الأجزاء الميكانيكية.

 

كمية المياه الممكن الحصول عليها

تختلف كمية المياه المستخلصة يوميًا حسب نسبة الرطوبة ودرجة حرارة الجو، ويمكن تلخيصها كالتالي:

الاستخدام العملي

كمية الماء/م² سطح نشط/يوم

نسبة الرطوبة النسبية

شرب شخص واحد

0.2-0.8 ليتر

صحارى جافة جدًا

شرب أسرة صغيرة

2-3 ليتر

مناطق سكنية معتدلة

احتياجات شرب وطهي لعائلة كاملة

4-5 ليتر أو أكثر

مناطق ساحلية رطبة

تقديرات تعتمد على النماذج التجريبية الحديثة باستخدام الزيوليت

 

الكلفة الحالية والمتوقعة

  1. الكلفة الحالية (مرحلة النماذج التجريبية): في النماذج الأولى المعتمدة على MOFs  فهي باهظة جدًا (عدة آلاف الدولارات) بسبب ارتفاع سعر المواد (100 – 150 دولار/كغ). أما في النماذج الأحدث باستخدام الزيوليت أقل تكلفة بكثير، مع توقع سعر تجريبي يقارب 500-1000 دولار لجهاز منزلي بحجم نافذة ينتج بين 5 و 6 لترات يوميًا.
  2. الكلفة في حال الإنتاج الواسع: في حالة التصنيع على نطاق صناعي واستخدام مواد متوفرة ورخيصة، يمكن أن تنخفض الكلفة إلى أقل من 300-500 دولار للجهاز المنزلي. أما الكلفة التشغيلية فتكاد تكون صفرية لأنه يعتمد فقط على أشعة الشمس ولا يحتاج إلى كهرباء أو وقود.
  3. كلفة المياه المنتَجة: وفي حال الإنتاج الواسع، فقد تنخفض كلفة إنتاج 10 لترات من الماء إلى أقل من 00.5 إلى 1 دولار، مما يجعله حلاً منافسًا لشراء المياه المعبأة في المناطق النائية.

 

الصيانة وطول العمر

  • لا أجزاء متحركة: لا يحتاج الجهاز إلى صيانة ميكانيكية، وهذا ما يجعله متميزًا مقارنة بأجهزة تكثيف الهواء التقليدية.
  • تنظيف دوري بسيط: في المناطق الصحراوية، يُوصى بمسح الأسطح أو تنظيفها من الغبار كل أسبوعين إلى شهر.
  • عمر المواد الماصّة: يمكن أن تدوم المواد مثل الزيوليت أو MOFs لآلاف الدورات الحرارية (5 – 10 سنوات) قبل الحاجة إلى استبدالها أو تجديدها.
  • إعادة التنشيط: في حال تراجع الأداء، يمكن إعادة تنشيط المواد بتسخينها لفترة محددة، وهي عملية بسيطة يمكن تنفيذها منزليًا.

الخلاصة

هذه التقنية تمثل خطوة ثورية في مواجهة أزمة المياه العالمية، خصوصًا للمناطق القاحلة أو المجتمعات المعزولة التي لا تملك بنية تحتية لتحلية المياه أو نقلها. وعلى الرغم من أنها لا تزال في مرحلة التطوير والتجارب، فإن نتائجها المبكرة مبشّرة، ومع انخفاض التكاليف مستقبلاً يمكن أن تصبح مصدرًا أساسيًا للمياه في القرى النائية أو في حالات الكوارث الإنسانية.

 

الزيوليت (Zeolite) هو اسم يطلق على مجموعة من المعادن البلورية الطبيعية أو الصناعية التي تتميز بقدرتها العالية على امتصاص الجزيئات واحتجازها داخل بنيتها المجهرية الفريدة.

يتكون أساسًا من سيليكات الألومنيوم (Aluminosilicate)  المرتبطة بأيونات الصوديوم أو البوتاسيوم أو الكالسيوم. ويمتلك تركيبًا بلوريًا يشبه الإسفنج، مكون من شبكة ثلاثية الأبعاد من المسام والقنوات الدقيقة جدًا. هذه المسام تسمح له بامتصاص وحجز جزيئات صغيرة مثل الماء والغازات، ثم إطلاقها عند التسخين.

ومنه أنواع: الزيوليت طبيعي: موجود في الطبيعة ويستخرج من الصخور البركانية الرسوبية. والزيوليت الصناعي: يُنتج في المختبرات ويُصمم بخصائص معينة (مسامية وانتقائية عالية).

من خصائصه المميزة: امتصاص وانتقائية عالية: يستطيع امتصاص الماء حتى في الرطوبة المنخفضة؛ ويمكن إعادة استخدامه تسخينه لتحرير الماء أو الغازات المحتجزة وإعادة استخدامه لآلاف المرات؛ ويتمتع باستقرار حراري وكيميائي، فهو يتحمل درجات حرارة عالية ولا يتفكك بسهولة؛ كما أنه رخيص ومتوافر، خصوصًا مقارنة بالإطارات المعدنية العضوية (MOFs) المكلفة.

 

من استخداماته: حصاد المياه من الهواء: كما في الجهاز المطور في MIT. وكذلك في تنقية المياه والهواء، إذ يمتص الملوثات والمعادن الثقيلة. وفي تربية الحيوانات والزراعة بفضل امتصاصه الروائح والأمونيا في الحظائر. ويستخدم في الطب أحيانًا في إزالة السموم من الجسم. وفي تكرير النفط وكمحفز في العمليات الكيميائية.

وسبب استخدامه في حصاد الماء فلأنه يحتجز بخار الماء بكفاءة عالية، ثم يطلقه بسهولة عند التعرض للشمس أو التسخين الخفيف. ولأنه أيضاً رخيص جدًا مقارنة بالمواد المتقدمة الأخرى، ما يجعله مثاليًا للتطبيقات واسعة النطاق في المناطق الفقيرة.

 

ما هي الإطارات المعدنية العضوية (MOFs)؟ هي اختصار لـ Metal–Organic Frameworks وهي مواد مسامية فائقة التطور تتكون من شبكة ثلاثية الأبعاد من أيونات معدنية مرتبطة بجزيئات عضوية تعمل كـ"جسور"، مشكلةً بنية شبيهة بالإسفنج على المستوى النانوي.

غالبًا ما تتألف عقد هذه الشبكة من معادن مثل الزنك (Zn)، أو الألمنيوم (Al)، أو الزركونيوم (Zr)، أو النحاس (Cu). أما الروابط العضوية فهي مركبات كربونية عضوية طويلة تربط العقد المعدنية ببعضها.

تتميز بالمسامية العالية: إذ تمتلك هذه الأطر مساحات سطحية داخلية ضخمة جدًا (قد تصل إلى 7000 م² لكل غرام)، وهي مساحة تعادل تقريبًا ملعب كرة قدم كامل داخل غرام واحد من المادة!

 



[i] https://news.mit.edu/2018/field-tests-device-harvests-water-desert-air-0322

الاثنين، 16 يونيو 2025

التديّن الشكلاني في العالم العربي والمهجر: من أزمة الهوية إلى غياب المشروع الروحي

 

في الوقت الذي تشهد فيه البشرية تطورات غير مسبوقة في مجالات العلوم والسياسة والثقافة، تعيش المجتمعات العربية، سواء في أوطانها الأصلية أو في المهاجر، ما يمكن تسميته بـ"نكوص ديني شكلاني"، يعكس أزمة أعمق في الهوية والمشروع الحضاري.

ففي كثير من الدول العربية التي مرّت باضطرابات سياسية أو شهدت فشلًا تنمويًا وانهيارًا في العقد الاجتماعي، يمكن ملاحظة ازدياد مظاهر التدين الشكلاني: من انتشار الحجاب واللحى والشعارات الدينية، إلى خطاب عام يتمحور حول الهوية الإسلامية، لا بالضرورة كإطار قيمي وأخلاقي، بل كتعويض رمزي عن الشعور بالهزيمة أو الإقصاء.

بين السلطة والاحتجاج: مَن يوظّف الدين؟

هذا النكوص ليس بريئًا أو تلقائيًا، بل يتحرك ضمن ديناميات سياسية واجتماعية مركبة. ففي كثير من الحالات، تتبنى الأنظمة الحاكمة خطابًا دينيًا "معتدلًا" لتأمين شرعيتها، كما حدث في مصر بعد 2013، أو عبر استعمال الدين كأداة تهدئة في خطاب السلطة كما في الجزائر.

وفي المقابل، يظهر الدين كأداة احتجاج عند بعض التيارات الإسلامية التي ورثت فراغ اليسار والحركات المدنية، خصوصًا في العراق وسوريا. لكنه احتجاجٌ يفتقد، في أغلب الأحيان، التأطير الفكري والمشروع المجتمعي البديل، فيكتفي برموز وردود أفعال متشنجة.

انهيار البدائل وصعود الهوية: العودة إلى الدين، أو ما يبدو كذلك، لا تنبع دومًا من إيمان روحاني، بل من غياب بدائل أخرى. فمع فشل القومية والاشتراكية والليبرالية في تقديم حلول واقعية ومستدامة، بقي الدين المرجع الوحيد غير المهزوم في الوعي العام. ويزيد الطين بلة غياب مشاريع فكرية قادرة على تعبئة الجماهير، وافتقار الدولة لمقومات العدالة والكرامة والتوزيع العادل للثروة، مما يدفع الناس إلى الاحتماء بالدين بوصفه مصدرًا للمعنى والعدالة الرمزية. أما على مستوى التنشئة الاجتماعية، فإن المدارس والفضاء الإعلامي والوعظ الديني تعيد إنتاج فهم شعائري ضيق للدين، يكرّس الطقوس ويهمّش العقل.

من الدين كهوية إلى الدين كتحرّر: لكن السؤال الجوهري يبقى: هل ما نشهده اليوم هو فعلًا "عودة إلى الإسلام"؟ الجواب يقتضي التمييز بين التديّن كهوية والإسلام كرسالة تحرّر وقيم. ما يسود اليوم في كثير من الأوساط هو استخدام للدين كدرع نفسي، لا كمشروع روحي. كوسيلة مقاومة للسلطة، أو امتداد لها، لا كتجربة إيمانية وجودية. والنتيجة المفارِقة أن ارتفاع منسوب الخطاب الديني لا يقابله انخفاض في مستويات الفساد أو تحسّن في التعليم أو صعود في القيم. بل العكس: في أجواء يعلو فيها صوت التدين، نجد أن القيم الإسلامية الأصيلة كالعدل والأمانة والشفافية والمسؤولية، تظل مغيّبة عن الواقع.

الجاليات في الغرب: من الإسلاموفوبيا إلى الهوية المأزومة. الأمر لا يقتصر على الداخل العربي. فحتى في الجاليات العربية والمسلمة في الغرب – أوروبا وأمريكا الشمالية – يلاحظ صعود في التدين الرمزي، خاصة بين الأجيال الشابة. لكنه، مرة أخرى، لا يعكس بالضرورة وعيًا روحانيًا أو عودة إلى جوهر الإسلام، بل غالبًا ما يكون رد فعل على الإقصاء الاجتماعي والإسلاموفوبيا. وفي هذا السياق، تتحول المظاهر الدينية إلى أدوات إثبات وجود، أكثر من كونها انعكاسًا لرحلة إيمانية. وتُستخدم كوسيلة للتمايز أو الانكفاء، مما يعمّق العزلة الثقافية ويحول الدين إلى جدار عازل بدل أن يكون جسرًا نحو الاندماج. وما يعمّق هذا التديّن المأزوم هو غياب خطاب ديني عقلاني، منفتح على التعدد والانتماء المركّب، قادر على نقل الدين من موقع الدفاع إلى أفق التحرر.

ما الحل؟ الحل لا يكمن في إقصاء الدين، بل في تحريره من التوظيف الأيديولوجي والشكلاني. المطلوب هو إعادة فهم الإسلام كمصدر للكرامة والعدالة والرحمة والانفتاح العقلي. ويمكن ذلك عبر أربع خطوات عملية:

  1. إصلاح الخطاب الديني: من خلال دعم قيادات دينية تفهم الواقع الجديد، وتتحدث بلغة الجيل وتربطه بالقيم لا بالمظاهر.
  2. تمكين التعليم النقدي: لإنتاج وعي ديني لا يخاف من الأسئلة، ويُشرك العقل في فهم النص.
  3. تطوير الفضاء الثقافي: لدعم الفنون والأدب والفكر الذي يظهر الدين كرافد إنساني، لا كمؤسسة انغلاق.
  4. الربط بين الدين والمواطنة: تأكيد أن الإسلام، كمنظومة قيم، لا يتناقض مع الانتماء الوطني والاندماج المجتمعي.

يمكن القول ختامًا أننا لسنا أمام صراع بين الدين والحداثة، بل أمام أزمة في فهم الدين ذاته، وفي كيفية توظيفه. المطلوب ليس مزيدًا من التديّن الشعائري، بل نقلة من الدين كهوية دفاعية إلى الدين كقوة تحرّر أخلاقي وفكري. فالدين، كما قال محمد عبده، لا يُعادى العلم ولا الحرية، وإنما يُعادى الجهل والاستبداد. والمجتمعات لا تتقدّم بعمق اللحى أو عدد المحجّبات، بل بعمق الفكرة، ورحابة العقل، واستقامة السلوك.

 

 

الدين بين الإلهام الحضاري والعائق التاريخي: قراءة في أزمة الفكر الديني العربي



كثيراً ما يطرح سؤال جارح في الفكر العربي والإسلامي المعاصر: هل الإسلام هو سبب تخلف العالم الإسلامي، لا سيما في الدول العربية؟

قد يبدو السؤال استفزازياً في ظاهره، لكنه في العمق يعكس أزمة وعي حضاري، ومحاولة للبحث عن تفسير للفجوة بين قيم الإسلام التأسيسية، كما نجدها في نصوصه الأولى، وواقع المجتمعات العربية اليوم، حيث يسود التخلف العلمي والسياسي والتقني.

للإجابة يجب أولاً تحديد أي إسلام نتحدث عنه؟ أهو الإسلام بوصفه نصوصاً مقدسة تحمل قيماً عليا، أم الإسلام كما يمارس في التاريخ والاجتماع والسياسة؟ الفارق هنا حاسم، لأن الإسلام الذي نعيشه اليوم في العالم العربي هو في الغالب إسلام "الهوية"، المرتبط بالطقوس والرموز، أكثر من كونه مشروعاً روحياً أو حضارياً. وغالباً ما يكون هذا الشكل من التدين تعويضاً عن الإحساس بالهزيمة والتهميش، ونتاجاً لفشل الأنظمة السياسية في بلورة مشروع جامع للتقدم.

الدين بين الجوهر والتاريخ

ظهر الدين تاريخياً منذ عشرات آلاف السنين. تجلى ذلك عبر ما يمكن تتبعه من إشارات أولى على وعي الإنسان بما يتجاوز حياته اليومية. فطقوس دفن الموتى لدى الإنسان العاقل قبل نحو مائة ألف عام، التي اتسمت بالعناية ووضع أدوات وزهور في قبورهم تدل على إيمان اولي باستمرار الحياة بعد الموت.

وفي العصر الحجري القديم (40 – 30 ألف سنة) تكثفت العلامات الرمزية في رسوم الكهوف وتماثيل "فينوس"، معبرة عن طقوس الصيد والخصب وتصور أعمق للمقدس.

ومع نشوء الزراعة قبل عشرة آلاف عام، دخل الدين مرحلة التنظيم الاجتماعي عبر بناء المعابد الكبرى، أي مأسسة الدين وتحوله إلى فضاء جماعي. أي أن الحاجة إلى الدين كامنة في التجربة الإنسانية منذ بداياتها الأولى.

ظل الدين عبر التاريخ أحد أعمدة الاجتماع البشري. فقد اعتبر إميل دوركهايم (1858 – 1917)، أحد أهم علماء الاجتماع، في كتابه "الأشكال البدائية للحياة الدينية"، أن الدين أساس الرمزي يمنح الجماعة تماسكها ومعناها، إذ لا يوجد مجتمع بلا شكل من أشكال المقدّس. وعلى مستوى النفس الفردية، رأى عالم النفس كارل يونغ (1875 – 1961) في كتابه "الإنسان والرموز"، أن التجربة الدينية تعبّر عن حاجة عميقة في اللاوعي الجمعي، إذ يرمز الدين إلى البعد الروحي الذي يوازن بين العقل والغريزة ويمنح الإنسان معنى لوجوده.

وهذا يتوافق مع آراء الغزالي (1058 - 1111) وابن خلدون (1332 - 1406). فقد أكدّ الغزالي أن الدين حاجة روحية وأخلاقية، وأن التأويل الصحيح والتوازن بين العقل والنص ضروريان للحفاظ على الدين كقوة حضارية. أما ابن خلدون فرأى الدين كظاهرة اجتماعية متعددة الأبعاد، يمكن أن يكون قوة بناء أو أداة ضبط اجتماعي حسب طريقة توظيفه في الدولة والمجتمع.

صحيح أنه الأنساق الحديثة من القانون والفلسفة يمكن أن تعوّض بعض وظائف الدين العملية، لكنه يظلّ، في أبعاده الرمزية والروحية، مصدراً لا غنى عنه لمعنى يتجاوز المادي والآني، ما يجعله حاضراً بأشكال مختلفة حتى في أشد المجتمعات التي أقصت الدين عن مؤسساتها.

إذن، لا مناص من الاعتراف بضرورة الدين كحاجة إنسانية، بغض النظر عن مفرداته وطقوسه وأساليبه. فقد ظهرت مئات الأديان، واختفى الكثير منها. بعضها سماوي وآخر فلسفي. تقدم جميعها تفسيراتها للكون والحياة، استجابة لرغبة الخلود الدفينة في الإنسان، كما نطقت بذلك ملحمة جلجامش. وكل الأديان تدعو إلى قيم متصلة بحياة الإنسان على الأرض، تمهيداً لانتقاله إلى الحياة الأخرى، أياً ما كانت صورتها.

الدين والإسلام: جوهر القيم وممارسة التاريخ

وبالعودة إلى سؤالنا السابق، يمكن القول إنّ الإسلام يتضمن في جوهره قيماً عليا تدعو إلى العدل والعقل والمعرفة والتكامل والتحرر من العبودية والطغيان. لكن ما يُمارس باسم الدين ليس بالضرورة ما جاء به، بل هو فهم بشري، تاريخي، تراكم عبر القرون، وارتبط بأنظمة السلطة وبالسياقات الاجتماعية والثقافية.

وهنا يكمن لبّ الأزمة: ليس في "الدين" ذاته، بل في طريقة تأويله وتمثله وتوظيفه. فعندما يُحتكر تفسير النصوص من قبل سلطات دينية تقليدية، وترفض القراءة النقدية، ويتحول التراث إلى مادة مقدسة خارج الزمن، يصبح الدين أداة ضغط اجتماعي أكثر من كونه طاقة تحرر وإبداع. عندها يتحول إلى عائق أمام التقدم، لا بصفته ديناً، بل بصفته خطاباً مؤدلجاً.

البدايات الإصلاحية

أول من تنبه إلى هذا المأزق في العصر الحديث كان الإمام محمد عبده (1849 – 1905)، أحد رواد الإصلاح الإسلامي. فقد طرح منذ أواخر القرن التاسع عشر سؤالاً مفصلياً: كيف نلحق بركب التقدم الغربي دون أن نفقد هويتنا؟ وبحسب رؤيته فإن الإسلام دين عقلاني يفتح باب الاجتهاد ويحضّ على العمل والعلم. لكن الجمود الفقهي والتقليد الأعمى هما ما جعلا المسلمين يتأخرون. ومن هنا جاءت دعوته إلى إصلاح التعليم الديني، وإلى تجديد الخطاب الإسلامي بحيث يتوافق مع متطلبات العصر.

وسّع مالك بن نبي (1905 – 1973) لاحقاً هذا الطرح في إطار مشروعه حول "شروط النهضة"، مؤكداً أنّ الحضارة الإسلامية لم تقم إلا حين تفاعل الدين مع العقل والإبداع. وهكذا انتقل خطاب الإصلاح من مجرد الدفاع عن "عقلانية الإسلام" إلى تحليل عميق لآليات الحضارة ومقوماتها.

التفكيك المعرفي

جاءت لاحقاً أجيال من المفكرين العرب لتطرح النقد بطريقة أكثر جذرية. شدد محمد أركون (1928 – 2010) وصادق جلال العظم على تفكيك البنى المعرفية التي أنتجت الخطاب الديني. أشار أركون في كتابه "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني" على أن المشكلة ليست في "الإسلام" بل في تاريخ تأويله، وفي أنساق سلطوية جعلت الدين يقول ما أرادت السلطة أن يقوله. لذا دعا إلى "أنسنة الفكر الإسلامي" وإخضاعه لأدوات النقد التاريخي واللساني والفلسفي.

أما العظم فرأي أن الخطاب الديني تحول إلى أيديولوجيا تُستخدم لقمع النقد وتثبيت الهويات. وأكدّ في كتابه "نقد الفكر الديني" على أنّ الدين حين يُختزل إلى أداة ضبط اجتماعي يصبح عائقاً أما الحرية والإبداع، كما هو الحال في المثال الإيراني الحالي.

ركّز عبد الله العروي (1933 – 2021) على البعد السياسي – الاجتماعي في كتابه "ديوان السياسة"، معتبراً أن الدولة العربية حين تعجز عن تقديم حلول واقعية، تلجأ إلى الدين كـ"بديل عن السياسة"، لا كرافعة للتجديد. وهنا تختلف مقاربته عن أركون والعظم من حيث تركيزه على وظيفة الدين في بنية الدولة. لذا فإن الإصلاح عنده لا يبدأ من بالاجتهاد في النصوص، بل في تغيير الطريقة التي يُوظف فيها الدين في السلطة والمجتمع.

كان حسن حنفي أكثر اقتراباً من الفكر الإسلامي الإصلاحي من الداخل. فقد دعا في كتاباته المتعددة ضمن مشروع "التراث والتجديد"، إلى تفكيك الموروث الفقهي والكلامي انطلاقاً من أرضيته، مؤكداً أن تجديد الفكر الديني لا يعني إنكار الدين، بل تحريره من البنى السلطوية التي علقت به عبر القرون. وهو يلتقي مع أركون من حيث ضرورة تفكيك التراث، ولكن بخطاب أكثر تصالحاً مع المرجعية الإسلامية.

أما طه عبد الرحمن (1944-) في كتابه "الحداثة من منظور إسلامي"، أن الإصلاح الديني والفكري لا يكفي أن يقتصر على النصوص أو الاجتهاد التقليدي واعتبارها صحيحة بالمطلق، بل يبدأ بإعادة صياغة أساليب التفكير نفسها، وبناء عقل نقدي ومرن قادر على التعامل مع النصوص والقيم الدينية بطريقة عقلانية وأخلاقية. فكرته الأساسية هي في أن يصبح الدين مصدر قوة وإبداع، بدل أن يتحول إلى أداة ضبط اجتماعي أو سلطة جامدة.

وإذا جمعنا هذه القراءات، من محمد عبده إلى طه عبد الرحمن، نرى خيطاً واحداً: الدين في ذاته ليس عقبة أمام التقدم، وما يعوق النهضة هو تأويله وتوظيفه. فحين يتحول الدين إلى مشروع حضاري، كما كان في عصور الازدهار الإسلامي، يغدو قوة دفع معرفي وأخلاقي. أما حين يختزل إلى هوية أو طقوس أو أداة سلطة، يتحول إلى عامل جمود.

كيف يمكن السير بخطوات عملية إذن؟

أولى الخطوات العملية، في رأينا، فإن تكون في إصلاح الخطاب الديني، عبر دمج أدوات التأويل النقدي والقراءة التاريخية للنصوص، وتجديد الفقه بما يتجاوب مع قضايا العصر.

الخطوة الثانية بإصلاح التعليم والإعلام، وتدريس تاريخ العلوم والفلسفة، مع الانتقال من النقد إلى المشاركة العملية في إصلاح الخطاب، وفتح حوار حقيقي حول علاقة الدين بالعقل والحرية.

الخطوة الثالثة تقع على عاتق المؤسسة الدينية، وتتمثل في تحرير الدين من الاستخدام التبريري للسلطة، واستغلاله لتثبيت مواقع القوة والسيطرة بدل أن يكون وسيلة لإلهام الأخلاق وتعزيز العدالة.

توفر أدوات التواصل الحديثة، من الإنترنت ومنصات تواصل اجتماعي، ومنصات نشر فيديوي مثل يوتيوب وتيك توك، فرصة عظيمة للوصول إلى جمهور واسع، واستغلال هذه الوسائل لتقديم خطاب عقلاني مبني على تعزيز قيم الإسلام المعروفة من عدل وكرامة، ويطرح مسائل الحياة الحالية بطريقة نقدية وحضارية.

والسؤال الآن: من سيبادر إلى ذلك؟ المثقفون؟ مصلحون دينيون؟ أو مؤسسات دينية – مدنية مستقلة ذات مصداقية؟ الجواب: كلها مجتمعة في ظل دولة ذات مشروع حضاري.

تجارب عربية معاصرة

شهد المغرب برنامجاً لتأهيل الأئمة والمرشدات عام 2005، بهدف تقديم خطاب ديني متوازن، لقى صدى طيباً في المغرب وبعض الدول الإفريقية. كما شرعت السعودية في إدخال تعديلات على مناهجها ضمن مشروع "رؤية عام 2030" لتكريس قيم الاعتدال والانفتاح، وهو لا يزال في بداياته. ولا يزال الأزهر في مصر في طور نقاش حول حدود إصلاح مناهجه وقدرته على تجديد الخطاب ليتفاعل مع متطلبات الحاضر.

بدأت بعض المبادرات مثل وزارة التسامح في الإمارات وتنظيم لقاءات حوار الأديان، ومنتديات للحوار في قطر. ومع ذلك تظلّ هذه الجهود رمزية إذا لم تتكامل مع إصلاحات فكرية ومؤسسية أوسع.

الخلاصة

إن أزمة الفكر الديني في العالم العربي ليست استثناءً تاريخياً، بل هي جزء من مسار إنساني أوسع، عرفته المسيحية في أوروبا قبل الإصلاح البروتستانتي، وعرفته البوذية والهندوسية في تفاعلاتها مع الحداثة. لكن ما يميز السياق العربي هو أن هذه الأزمات تتشابك مع عوائق اقتصادية واجتماعية وسياسية. فالبطالة والفقر وتراجع الطبقة الوسطى، تجعل التدين في كثير من الأحيان ملاذاً هوياتياً أكثر من كونه قوة دفع حضاري. كما استغلت الأنظمة القمعية الدين لتثبيت سلطتها، بالاستعانة أحياناً بتيارات متطرفة.

ومن هنا، فإن تجديد الخطاب الديني لا يمكن أن ينجح بمعزل عن إصلاح التعليم والإعلام، ومشاركة المرأة والشباب في إنتاج الفكر، وتحرير الدين من التوظيف السياسي الضيق. المؤسسة الدينية ليست وحدها المسؤولة، بل الدولة والمجتمع المدني والمثقفون جميعاً.

يبقى أن الدين، في جوهره، ليس عائقاً بل مصدراً لإلهام أخلاقي وروحي يمكن أن يوازن ما تعانيه الحداثة نفسها من أزمات، مثل الفردانية المفرطة، وانهيار المعنى، والاستلاب الاستهلاكي. وإذا أُحسن قراءته بعقل نقدي وأفق أخلاقي رحب، يمكن أن يقدم الإسلام إسهاماً جديداً في الحوار الحضاري العالمي، لا باعتباره موروثاً دفاعياً، بل باعتباره قوة خلاقة للمعنى والعدل والحرية.

السبت، 9 نوفمبر 2024

أرض النسيان / فرانسيسكو كولوان




 فرانسيسكو كولوان
أصبح المشهد كئيباً مع توغلنا في الداخل ومثيراً للقلق على نحو متزايد. الجانب الموحش لبعض الممرات الجبلية يجمّد القلب؛ حتى الأحصنة ترفع آذانها، خوفاً من شيء غير مرئي ولكنه قوي بقوة الصخرة العارية.

كان الممر الذي كنا نسير عليه حافة الهاوية أحياناً وعندما كان ينكشف أمام نظرنا مرأى سيل جارف، يتلوى في قعر سحيق، كنا نتوقف لثانية مستندين إلى الجدار الصخري الذي كان يبدو راغباً في دفعنا في الفراغ. لم نكن شيئاً يذكر، منتصبين بالكاد على ركاب أحصنتنا، نتمسك بشدة باللجام، وتأخذ الأحصنة بخطوة واثقة طريقها على الأرض المليئة بالأحجار والحصى.

رأينا البحر للمرة الأخيرة عند وصوولنا إلى منحنى اتسع عنده سفح الجبل. كان هذا وكأننا كنا نتخلى عن شيء ثمين لن نستعيده أبداً.

فهمنا وقتها ذلك القلق الرتيب الذي سيطر علينا في تلك المنطقة المقفرة. البحر المستحوذ والعنيف عندما نبحر في مائه، كان يبدو لنا من البعيد كرفيق لا يعوّض، اتساع هائل هادئ يجلب مرآه الاطمئنان ويوقظ شعوراً مبهماً بالأمل.

هناك مشاهد ومناظر تبقى محفورة إلى الأبد في الذاكرة تفرض نفسها علينا بقوة عارمة كلحظات من وجودنا. هذه النظرة الأخيرة التي ألقيناها على البحر كانت واحدة من تلك اللحظات، وهناك أدرنا رؤوسنا مرة أخيرة لكي نغرف قليلاً من ذلك الأمل قبل أن نتابع الرحلة وندخل تلك الأرض بالكامل.

انقطع الطريق الموازي لنهر ريو بيكر فجأة بسبب هوة شديدة الانحدار، وهو موقع يمتد من عنده واد هائل تحت ناظرنا المشدوه، الذي فرقت الريح أعشابه بما يشبه جلد القضاعة الناعم عندما تمر عليه نفخة تاجر الفراء. كان ذلك فجوة حفرها جرف ثلجي قديم جداً في قلب الجبل، اختفى اليوم وأحاله الطين الغريني أرضاً خصبة.

كان علينا أن نغير الاتجاه والتحرك نحو الجنوب بحثاً عن ممر يمكن أن يسمح لنا بالنزول. ولم يكن ذلك إلا بعد عدة ساعات من السير حتى بدأت سلسلة الجبال الشديدة الانحدار بالانخفاض، واستطعنا رؤية قعر الوادي الذي اختفى في البعيد خلف الجبل. سماء بلا ضوء كانت تسمح لنا بالكاد أن نميز بين شيئين كانا يثيران فضولي: كان طرف الوادي يخلق سوراً من الجليد المستند إلى الجبل ويبدو أنه يسنده مثل إسفين؛ وفي الأسفل، عند أقدامنا، بقرب دغل من السنديان القزم، في قمة الرعن الأول الذي ينحدر إلى الوادي، لاحظنا كوخاً أكله الصدأ، صغير وقاتم، شاذ، كما لو أنه قُذف به إلى هنا، في ذلك الشق المنسي من الأرض.

بعد نزول طويل كان بإمكاننا أن نطأ ذلك السهل الذي كان عشبه الطويل يلامس ركاب خيولنا. كانت تعّم ذلك المكان عزلة كئيبة، الذي كنت أتخيله عندما كنت في القمة واحة هانئة لأعيننا. كان العشب ينمو بوفرة، يانعاً كما في أرض مزروعة؛ لكن لا طير ولا حشرة ولا حيوان يكسر الصمت الذي تطرده من وقت لآخر نسمة ريح.

أذكر واد مماثل،حفره قديماً جليد هائل في خليج ينديغيا الكائن في قناة بيغل؛ ولكن الإنسان هناك أدخل همس الحياة واثني عشر ألف خاروف يرتعون في السهول التي اخضرّت هي بدورها على بقايا الجليد القديم جداً.

توجهنا نحو الكوخ. أصبح الصمت أكثر فأكثر عداءً، مضطربين بين الفينة والأخرى بنعيب الريح التي تتماوج بين الغابات الباسقة؛ ثم استقر صمت مطبق من جديد.

فجأة يتجمد الدم في عروقي بسبب صراخ شاكٍ، توقفت الأحصنة مرتعبة على وشك أن تلقي بنا أرضاً. سيطرنا عليها بضربات سياط ومهماز. ومن بين كل الحيوانات فإن الأحصنة هي الأكثر التي تخاف من المجهول، كانت خياطمها ترتجف، لمع الخوف في عيونها واختلجت قوائمها من الرعب الأمر الذي لم يحدث معها إطلاقاً عندما كانت تسير على شفا الهاوية.

اطمأنت في النهاية لكثرة ما ربتنا على كتفها؛ لكن لم تمض إلا دقيقة حتى صدرت صرخة جديدة، أقل شدة من الأولى، تشبه عواء ذئب مريض أو جريح. في هذه المرة كانت بعض ضربات اللجام كافية لجعل الأحصنة تبقى ساكنة في مكانها.

توقفنا ننتظر. أصبح الصمت ثقيلاً لا يطاق.

لكن في اللحظة التي كنا سنعاود فيها السير برز حيوان غريب: كلب أجعد يذكّر بكلب الصيد السلوقي السريع، ولكنه كان كلباً بأنف أفطس وبعيني ذئب، قائمتاه الأماميتان عاليتان لدرجة أنهما كانتا تبدوان وكأنهما تجران الجسم كله، ووَبرٌ كث، متصلب وطويل مثل وبر الفقمة. كان خليطاً غريباً ومنفراً يذكّر بالضبع. ظهر بقربي، كنت أخشى أن يقفز على حصاني، هيأت بندقيتي وصوبتها نحوه. لكن صديقي في الرحلة كليفتون أمسك في الحال بماسورة البندقية وحرفها. ظهر في تلك اللحظة رجل بين العشب الطويل، أمسك بكلبه – لنسميه هكذا - من إحدى أذنيه، وتسمر بقربه.

اقترب منه كلفتون وقال له شيئاً لم أتمكن من سماعه. أجاب الرجل بصوت أبحٍ غير مفهوم، وأشار بذراعه إلى قعر الوادي كما لو أنه يدلنا على الطريق.

تقدمنا في الاتجاه الذي أشاره ذلك الشخص الغريب يتبعنا ممسكاً بكلبه من أذنه، حتى وصلنا الهضبة حيث الكوخ؛ لكنه لم يتركنا نستمر إلى الأمام. قطع علينا الطريق، متمتماً بصوته الأبح كلاماً غامضاً، ومهدداً باستعمال كلبه، ماداً من جديد بذراعه نحو الجبل في قلب الوادي.

غادرنا بالاتجاه الذي أشار علينا به، ولكنه كان يتابعنا بنظراته معتلياً أكمته. وجدنا أنفسنا بعيداً في الوادي عندما سمعنا عواء الكلب المرعب بقربنا؛ كان الحيوان على وشك الانضمام إلينا عندما انطلق صوت أبح من حنجرة الرجل. وقف الحيوان على قائمتيه، دار حول الأحصنة دوراناً مهدداً، رفع خطمه ليعوي وتراجع راكضاً باتجاه صاحبه.

بعد قليل، وحينما بدأنا بالصعود، سمعنا صرخة جديدة أقل حدة ولكن أكثر عمقاً، أصابتني بالذعر أيضاً؛ لكن الرجل والحيوان كانا بعيدين الآن وليس إلا الريح التي تعوي في الوادي المظلم.

أخذت العتمة بالحلول، ورويداً رويداً أصبح كل شيء معتماً ومنكمشاً كقلب وحيد؛ مثل قلب متحجر لهذه الطبيعة التي طحنت في نسيانها المديد آخر الآثار البشرية.

لم يكن كليفتون، الذي يملك مزرعة كنا نسير باتجاهها، شخصاً فصيحاً يستعجل تقديم التفسيرات. كان يترك الأشياء تتحدث عن نفسها، وإلا كان يتدخل ليقول ما يعرفه عن بحيرة أو عن حيوان أو جبل تركناها خلفنا. لا أعرف إذا كان ذلك صفة حكمة أو مزاج شخصي؛ ومهما يكن من أمر فهو لا يتحدث أبداً عبثاً ولا ننسى مباشرة ما يقوله.

عندما عبرنا الهضاب وبلغنا سفح الجبل حيث تبدأ غابة من البلوط، كانت الليلة حالكة لدرجة أننا قررنا التوقف.

أوقد كلفتون، الذي كان جبلياً خبيراً، ناراً عامرة التففنا حولها لتذوق اللحم المجفف الذي كنا نحمله في أكياسنا.

في اللحظة التي كنا نحضر فيها الأقداح المعدنية للقهوة، سألني بلا مقدمات:

- كيف تفسر حالة ذلك الرجل الذي قابلناه في الوادي؟

كان كلفتون يذهب مباشرة نحو القصد، كما لو أن حديثاً تمهيدياً قد جرى للتو ولم يبق إلا استخلاص النتائج.

- تفككٌ سببه الطبيعة، أجبته محاولاً أن أكون دقيقاً.

لكني أدركت في الحال أنني لم أكن إلا متحذلقاً، أضفت كما لو أني أعتذر:

- ذات مرة، أمضيت ثلاثة أيام على صخرة في البحر وعندما جاؤوا لإخراجي من هناك كنت أتحرك كسلطعون!

- لقد حدث لي ما تسميه "تفكك"، تابع كلفتون ماضغاً الكلمة وكأن في فمه حصى. تبدأ الطبيعة دائماً "بتفكيك" شخص قبل أن "تدمجه" كعنصر من عناصرها. ففي مرحلة أولى، يبدو أنه محكوم عليه بالاختفاء، وفي الواقع فإن البعض يموت؛ وفي الثانية، يولد من جديد تحركه قوة جديدة. ربما أن الطبيعة تنتقي هكذا هؤلاء الذين يناسبونها بالتخلص من الآخرين. وما أتحدث عنه جرى في أيام شبابي، كنت راعياً لمدة ثلاث سنوات في أرض النار، بالقرب من بحيرة فاغنانو. هناك بدأت بفقدان عادة القراءة؛ فما كنت أجده في الكتب كان يبدو لي تافهاً، لا مغزى له، وكنت أفضل صوت أوراق الشجر على أفكار أفلاطون الأكثر عمقاً. بعدها توقفت عن التفكير والتساؤل. لم أعد شيئاً وكان ذلك يؤلمني. ومن ثم أدركت أن التفكير الذي هجر عقلي حلت محله أشياء أخرى وكان ذلك نوعاً من إعادة الولادة: أصبحت رجلاً آخر. فأصبح للنبات في عيوني قيمة سحرية؛ ولكن لم أعد أرى الطحلب مجرد عشب مخضّر ينمو على القشرة الأرضية، ولكن كعنصر أكثر أهمية وأكثر غرابة يرافق وجودي، مثل كلبي أو حصاني. من القلق الساكن الذي بدأت ظلال الليل توقظه فيّ حتى غناء طيور البريق الأول للشفق، كل شيء هناك في الطبيعة وقبله كنت أفتقر إلى العيون والحواس والعقل للنظر والاستماع والتأمل.

"غادرت هذه الأماكن وقمت بجهد هائل لفتح كتاب وإشعال ذلك الضوء الضعيف فيّ الذي لا يسطع إلا بين أربعة جدران. كيف يمكن إدخال الحضارة في الطبيعة والطبيعة في الحضارة! آه! ... لا تعرف ما معنى أن تجد نفسك أمام موقد دافئ بين أربعة جدران في وسط تلك الوحدة!

عرفت كلفتون منذ الطفولة في بيونتا أريناس، عملنا معاً في مزرعة في شرقي أرض النار. كان كلامه على صورة حياته: كان يسير فجأة في الطريق الأقل توقعاً، بدون أن يعرف هو نفسه إلى أين سيصل، كانت له تلك الخصوصية، من بين أشياء أخرى، بالتوجه إلى محدثيه مقدراً أن ما يعرفه يجب أن يعرفه الآخرون أيضاً. لذا كنت أقاطع كلامه ببعض الفظاظة، وذلك لإعادته للحديث الأصلي الذ كان يبدو أنه قد تاه عنه.

- ماذا عن هذا الرجل في الوادي مع كلبه الغريب؟

- آه! ... الذي عاناه العجوز فيدال يتخطى "التفكك"، قال مؤكداً من جديد بسخرية من الكلمة. لا أستطيع شرح أمر الكلب كثيراً. يمكن أن نرى في متحف الساليزيان في بيونتا أريناس، حصاناً أعيد تركيبه له جلد مشابه في كل شيء لجلد الغوناق؛ إنه "حصان-غوناق" حقيقي. التهجين بين فقمة وكلب يبدو لي أمراً مستحيلاً ... لكن هذا ما يمكننا تخيله مع هذا المخلوق ... وبعد كل شيء إذا كانت السنوات التي عشتها بالقرب من بحيرة فلغنانو غيرت فيّ حتى طريقة التفكير، ومع أن الرب نفسه قد تحول فلما الطبيعة لم تحوّل هي نفسها أجيالاً من الكلاب إلى أن وصلت إلى تلك "السلالة" الغريبة؟ أذكر أني رأيت على جزيرة قناة موراليدا قطيعاً من الجرذان التي كانت تقذف بنفسها في الماء لصيد أسماك ومحار، كانت تتسلق الأشجار لاففة ذيولها حول جذوع الأشجار لاصطياد العصافير. تطورت ذيولها على نحو غير عادي وأقدامها أصبحت تشبه الزعانف. كيف وصلت تلك الجرذان إلى الجزيرة؟ لا أحد يعرف. ولا نعرف أكثر عن كيفية وصول هنود اليغهان إلى قناة بيغل! وإذا وصلوا بالقوارب الخشبية الصغيرة كما نفترض من المحيط حتى رأس القرن (كاب هورن)، فإن للجرذان أيضاً إمكانية الوصول إلى هذه الجزيرة الموحشة من قناة موراليدا، في صندوق مطلي بالشمع عقب غرق سفينة في قعر خليج كوركوفادو. علاوة على ذلك فإن رجال العلم يؤكدون أن الذئب والفيل والنمر والعجل البحري هم أقارب أقرانهم الذين يعيشون على اليابسة، الذين "تفككوا"، كما تقول، والذين "عادوا إلى الإندماج" في البحر. فلا يجب استغراب رؤية أحصنة بحرية تعدو في هذا الوادي المنسي، الذي يؤكد عديد من البحارة رؤيتهم في زبد الأمواج. لا تنس أنه يمكن أن يكون هناك أي شيء على هذه الأرض فقد عبرت حملات استكشافية ألمانية كثيرة قناة الباكر بحثاً عن العظاءة الكبيرة التي يعتقد أنها عاشت هنا.

أدركت أن كلفتون نسي تماماً بداية المحادثة وأن مواقع عديدة برزت في نفسه كان يستغرق فيها بيسر ويتفرع منها بلا نهاية. وعندما رأيته على وشك الضياع، أعدته بقسوة نوعاً ما إلى نقطة البداية.

- كل هذا عام جداً، ولكنك لم تشرح لي ما الذي حدث لرجل الوادي هذا؟

- آه! ... العجوز فيدال ... عمل لسنوات عديدة في الباتاغوني، بأمل أن يصبح يوماً مستقلاً وأن تكون له أرضه. ولكن كما تعرف، لم يبق في الطرف الجنوبي الأقصى من التشيلي قطعة أرض جيدة واحدة لا تمتلكها شركات تربية المواشي الكبيرة.

"سمع فيدال عن واد اكتشفه قاطعو أشجار السرو في أراضي قناة الباكر. وبعد أن استكشف المكان، قرر استثمار مدخراته، التي راكمها عبر السنين، على شكل خراف وأشكال مادية. وهكذا أصبح على رأس مزرعة صغيرة تضم بين ثمانية وعشرة آلاف رأس من القطيع.

"كان عليه القبول بالكثير من التنازلات الكبيرة لكي يحضر القطيع الأول. كان العشب وفيراً. وكل شيء يسير على ما يرام. أحضر زوجته وأولاده الأربعة، مع ستة أو سبعة عمال ورعاة، شكّل مستعمرة صغيرة كانت بيوتها بأسقفها الحمراء تبدو من بعيد كعلب أعواد الثقاب مبعثرة في الوادي.

"سمى هذه الأرض بالأرض الموعودة. كان يحمل الصوف على ظهر البغال إلى قناة الباكر ومن هناك كان يذهب إلى أيسن أو إلى كومودورو ريفادافيا. كان أحد مشاريعه استعمال السرو للجانب الشمالي للنهر لبناء طوافات لنقل منتجاته نحو قناة ميسيير، حيث تمر المراكب التي تذهب من مضيق ماجلان إلى خليج بيناس.

"لكنه لم يتمكن من بناء طوافاته. ولو أنه تمكن من ذلك، لما بقي على الأغلب هنا، كما رأيناه.

"في سنة ما، كانت الشمس قوية جداً، وكان هذا أمر نادر في تلك المنطقة، فذاب الجليد حتى طبقات الجليد القديمة جداً.

"بينما كان فيدال عائداً من النهر، حيث كان قد ترك بعضاً من محصوله من الصوف. وعندما وصل إلى طرف الوادي، كان المشهد أمام ناظريه مريعاً ... كل شيء كان قد دُمّر! سُويّ العشب بالأرض، وعلى التراب ألقيت جثث زوجته وأولاده وعماله التي بدأت في التفسخ، وقد التهمت النسور التي عشعشت في الوادي جزءاً منها. البيوت التي انتزعت من أساساتها تهشمت كعلب الكبريت. اختفى الجزء الأكبر من الخراف، ومن بقي من كلاب وأحصنة كان ممدداً على الأرض. كانت الكارثة هائلة.

أضرم كليفتون النار بالاستعانة بجمرة متوقدة وتأمل بصمت اللهب، الذي كان يتقلص مع تضخم قلب خشب البلوط برقصته من الظلال والأضواء.

- تابع كليفتون قائلاً إن هؤلاء الذين رافقوا فيدال قالوا إنه فقد القدرة على الكلام مباشرة. ولكن بعد فترة تمكنت من الحديث معه بالرغم من تلعثمه وفهمت ما رواه لي. حالياً، لديّ شعور أنه فقد اللغة تماماً، وكما رأيته أنت، فقد فَقَدَ الذاكرة، ذلك أنه لم يعرفني حتى. ربما أصبح مجنوناً أو لا، ولكن من الثابت أنه لا يمكن جعله يغادر الوادي. وبما تبقى من صفيح بنى تلك الخيمة الصدأة التي رأيناها من الأعلى وهو يعيش، لا يعلم إلا الله كيف، مثل شبح يسكن هذه المناطق، يرافقه كلبه الغريب.

"هذا الرجل، ارتبط بهذا المكان بسبب الألم، هل ينتظر أيامه الأخيرة؟ هل هي ذكرى زوجته وذكرى أطفاله، ومزرعته الوافرة ما يربطه بهذا الوادي إلى الأبد؟ لا أحد يعرف ما الذي يدور بخلد هذا الإنسان الذي صعقه القدر! ولكن لماذا الدهشة من سلوك فيدال، في حين أني رأيت صياداً يقذف بوجبته كل مساء في الأمواج في المكان نفسه الذي غرقت زوجته فيه! كان هذا الرجل ينتظر للحظة قبل أن يقذف بغذائه في الماء، كما لو كان يأمل عودة زوجته! ومن ثم يلقي بالخبز، قطعة بعد قطعة، وبمحتويات صحنه ملعقة بعد ملعقة، كما لو أنه لم يكن لديه أي شك بأنه يضع الطعام بفم زوجته التي أحبها كثيراً! ...

صمت كليفتون وأضرم النار من جديد. انعكاس اللهب يتراقص في عينيه الخضراوين اللتان يغشاهما مرور بعض الظل. احترمت صمته ولكن ذلك طال لدرجة أني خشيت أنه لن يتابع حكايته. هل يتصور، بحسب عادته، أني أعرف سبب تهديم مزرعة فيدال؟ وبلا اكتراث قاطعت تأمله.

- ما الذي حدث في الوادي إذاً؟

- آه! ...

شاعراً بأنه لم يكن عازماً على الكلام، أضفت:

- هل كان هو المد؟

- لا، البحر بعيد من هنا.

- لا تنس أنه في ألتيما إسبيرنزا يحدث أن يخترق البحر سلسلة الجبال حتى أطراف سهوب البامبا في الباتاغوني.

- نعم، ولكن مضيق ألتيما إسبيرنزا مختلف تماماً، يمكن أن يكون من الأصل نفسه الذي سبب كسر مضيق ماجلان. هذه حوادث هائلة؛ وبالمقابل فإن حادث قناة أو نهر باكر هو حادث صغير.

"سبب هذه التراجيديا هو طوفان، الذي من وقت لآخر وبطريقة لا يمكن توقعها، يغمر الوادي. من الممكن أن تمضي سنوات عديدة دون أن يحدث أي شيء، لكن في اليوم الذي لا نتوقع فيه أي شيء، ترتفع موجة هائلة وتغمر كل شيء. وما لم تستطع تدميره في تقدمها تأخذه معها في انحسارها بسرعة هائلة نحو مدخل الوادي، قبل أن تنخفض إلى مستوى مياه النهر.

"لقد فهمت الظاهرة بمراقبتي روافد الجانب الشمالي لباكر. عندما يكون الشتاء قاسياً والصيف معتدلاً، تحمل المياه كتلاً من الطمي ترفعه الأشجار الكبيرة العديدة المقتلعة، التي تنتهي محصورة عند الثغر مشكلة سدوداً. وفي يوم ما تتحطم هذه السدود، وتنفجر المياه هادرة رافعة مستوى الأنهار. مثل الباكر الذي يجري هو الآخر في وسط المضائق، وهذه المياه تفيض وتتقدم باتجاه الوديان والفجوات الموجودة على مستوى أدنى.

"وهذا ما حدث في مجرى ذلك الجليد القديم. تشكل سد على أحد أفرع الباكر وبذوبان غير معهود فاضت المياه على الوادي محطمة كل شيء على طريقها.

سألته: لم يرغب أحدٌ من يومها بالاستقرار هنا؟

- لا أحد! أجاب كليفتون. من مضيق ماجلان حتى خليج بيناس، نجد بين الممرات البحرية والأقنية عدداً من الوديان الجميلة مثل هذه، ولكن لا أحد يعرف لماذا هي مهجورة. إنها أراضي النسيان.