مضت مدة طويلة وأنا أستمتع بكل أسباب المتع، وسئمت الراحة واشتاقت نفسي إلى
العمل والسعي والتجارة، فهيأت نفسي للسفر، واشتريت بضائع كثيرة، وسافرت بها
من بغداد إلى البصرة، وجئت الساحل فوجدت مركباً عظيماً، فيه تجار وركاب كثيرون.
طاف بنا المركب في البحار. وفي أحد الأيام، كان الرئيس في مقدمة المركب،
ينظر في أفق البحر، رأيناه فجأة قد صرخ بأعلى صوته، وأمر بطي القلوع وإرساء
المراسي، فسألنا ما الخبر، فقل إن ريحاً هوجاء عاصفة لاح خطرها في الأفق، وها هي
ذي مقبلة علينا؛ ها هي ذي قد غلبتنا، تدفع المركب دفعاً. قذفت بنا المقادير إلى جبل
الرعب، وأهله قوم مثل القرود، ما وصل إلى هذا المكان أحد وسلم منه قط. وما أتم
الرئيس كلامه حتى زحفت علينا هذه المخلوقات كالجراد المنتشر، فرأيناهم أناساً
متوحشين قصار القامة، لا يزيد طول الواحد منهم عن أربعة أشبار، لا يفهم لهم كلام
ولا تعرف لهم إشارة. أخرجوا الركاب إلى الجزيرة واستولوا على المركب وما فيه.
لاح لنا من بُعد بناء شامخ قائم في وسط الجزيرة، فقصدنا إليه، وانتعش
الرجاء.
وبعد أن اتفقنا على أمر، شرعنا في عمل فلك ربطناه إلى جانب البحر، وأنزلنا
فيه شيئاً من الزاد، ثم عدنا إلى القصر في انتظار العملاق، وقد عزمنا على أن نسمل
عينيه.
وما استقر بنا المقام قليلاً حتى هبط علينا تقوده أنثى أكبر منه جسماً
وأبشع خلقة، فأسرعنا هاربين إلى الفلك، وأسرعنا فقطعنا حباله ودفعناه إلى البحر،
والعملاقان يتبعاننا، وكانت الأنثى تلتقط الأحجار الكبيرة وتقذفنا بها، وتوالت
الرجمات علينا بشدة، قبل أن نستطيع أن نبتعد بالمركب إلى عرض البحر، وزهقت أرواح
كثيرة من شدة وقع الأحجار.
طوّح بنا الفلك إلى جزيرة أخرى، ونزلنا فيها وتبلغنا بشيء من ثمارها،
ونمنا. ولم يأخذنا النوم طويلاً، فإذا بثعبان هائل، عريض الرأس، التفَّ حول واحد
منا، وغيّب رأسه في فمه، وما هي إلا لحظة حتى كان الرجل قد اختفى في جوف الثعبان.
وفي اليوم الثاني جُبنا الجزيرة نبحث عن مأوى يعصمنا من شر هذه الآفة
الجديدة، فلم نجد خيراً من التسلق فوق شجرة عالية وقضاء الليل فوقها، فاخترت أنا
ورفيقي شجرة باسقة.
أتى الثعبان وجاس هنا وهناك وسرعان ما زحف إلى الشجرة، وما هي إلا ثوان حتى
كان رفيقي في فمه، فغطيت وجهي براحتي يدي من هول ما رأيت. وفي الصباح هبطت من فوق
الشجرة، واشتد بي الكرب وأردت أن ألقي بنفسي في البحر لأستريح من هذا العذاب
الأليم. ثم خطر ببالي أن أحتال حيلة أخرى تنجيني. وهداني التفكير إلى أن أصنع
لنفسي شبه صندوق أحتمي فيه، وهذا ما كان.
وأقبل الثعبان على عادته، وقصد إليّ من فوره، فدار حول الخشب يريد الوصول
إليّ، فلم يستطع، واستمر يحوم من حولي ويفح وقد أشرفت على الموت من الرعب، وأخيراً
تركني بعد أن تهدمت أعصابي.
جررت ساقي حتى ساحل الجزيرة حيث جلست أرقب الأفق بعين يقظة، راجياً ألا
ينصرم النهار حتى أجد لي مخلصاً. ثم ما لبث أن ظهر مركب يمخر البحر، ودب النشاط
فيّ فجأة وأتتني عافية لم أكن أعهدها في إبان قوتي. فجعلت قميصي الأبيض في طرف فرع
شجرة طويل، لوحت به وأنا أصيح بأعلى صوتي، وقوى الله حنجرتي، فكان صوتي أعلى من
هدير الموج. ونجحت في توجيه نظر من في السفينة إليّ، وبعد قليل وصلت السفينة إلى
مكاني. فتلقاني الربان والبحارة ومن معهم، ولكني لم ألبث أن أصابتني غشية من الفرح
بنجاتي من ذلك الثعبان الفظيع! ولم أكد أفيق من غشوتي حتى رأيتهم ملتفين حولي
مستعجبين لما أصابني، فقصصت عليهم ما صادفت في تلك السفرة المشئومة.
وقضيت مع ركاب السفينة وقتاً طيباً. رست السفينة بنا على جزيرة، وأخرج جميع
من بها من التجار بضائعهم ليبيعوا ويشتروا. فأتاني صاحب المركب وقال: إننا معنا
تجارة لرجل كان برفقتنا وفُقد منا، ولا ندري أهو ميت أم حيّ، أريد أن أدفع إليك
أحماله لتبيعها، ولك جعلٌ في نظير خدمتك هذه، وما تبقى من أرباح نرده إلى أهل هذا
الرجل. فقلت سمعاً وطاعة، ولمن هذه التجارة؟ فقال هي للسندباد البحري الذي كان
معنا وفقدناه. وأيقنت أن هذا المركب هو عينه الذي كنت عليه وتركني ربانه بالجزيرة
نائماً وأقلع.
يا رئيس، اعلم أني أنا السندباد البحري، ولم أغرق، ثم قصصت عليه كل ما مر
بي، وهو ينظر إليّ متشككاً في قولي. وأخذت أؤيد أقوالي بالبراهين وأستشهد بعلامات
وأحوال كانت مني ومن التجار الذين التفوا حولنا، وإذ برجل شق الجمع من حولي وتفرس
فيّ ملياً، ثم احتواني بين ذراعيه، وقال: هذا هو الرجل الذي تعلق بذبيحتي وأعطاني
من الماس الغالي الثمن أضعاف ما كنت مقدراً أن يعلق بها، وهو السندباد البحري.
فجاء رئيس المركب إليّ وعانقني وهنأني بسلامتي.
تسلمت بضاعتي وتصرفت بها كما تراءى لي، وربحت فيها ربحاً وافراً ما ربحت في
تجارة مثله. وما زلنا نجوب البحر ونطوف بالجزر والموانئ حتى وصلنا إلى بلاد السند،
وقد رأيت في البحر من العجائب ما لا يعد ولا يحصى، ومما رأيت سمكة على هيئة
البقرة، وأخرى في شكل الحمار، ورأيت طائراً يخرج من صدف البحر، ويبيض ويفرخ على
وجه الماء ولا يغادر البحر إلى البر أبداً.
وأتممنا رحلتنا ووصلنا
إلى البصرة، ثم شددت الرحال إلى بغداد، فوصلت إليها آمناً سليماً، وتوجهت إلى
داري، والتقيت بأهلي وأصحابي، ووهبت وتصدقت على المعوزين والأيتام والأرامل.السفرة الرابعة السفرة الثانية
القصة جميلة و تفوز
ردحذفطويل
ردحذف